كسينجر وتحولات النظام العالمي

كسينجر وتحولات النظام العالمي

الجمعة - 16 شعبان 1441 هـ - 10 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15109]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

يتوقع هنري كسينجر تحولات في النظام العالمي وهو المنخرط به تبويباً وتأريخاً ونقداً. في كتابه «النظام العالمي»، حاول كسينجر رصد التحولات الأساسية التي جعلت العالم على ما هو عليه حتى اليوم، يمكن التذكير بها قبل التطرق إلى مقالته الأخيرة.
من منعطفات التحول في تاريخ البشرية: «اختراع نمط الطباعة القابل للنقل في منتصف القرن الخامس عشر؛ الأمر الذي وفَّر إمكانية تقاسم المعرفة على نطاق لم يكن متخيلاً من قبل. كان المجتمع القروسطي قد درج على عادة تخزين المعرفة عبر الاستظهار أو عن طريق النسخ اليدوي المضني للنصوص الدينية، أو بواسطة فهم التاريخ بالإفادة من الشعر الملحمي. في عصر الاستكشاف، كان لا بدَّ لما يجري اكتشافه من أن يُفهم، وأتاحت الطباعة فرصة نشر المعلومات. كذلك أدَّى استكشاف عوالم جديدة إلى الحفز على السعي لإعادة اكتشاف العالم القديم وحقائقه، مع تكيد خاص لمركزية الفرد. وراح الاحتضان المتزايد للعقل كقوة تنوير وتفسير موضوعية يهزُّ أسس المؤسسات القائمة، بما فيها الكنيسة الكاثوليكية العصية على أي هجوم من قبل».
ثم يعتبر صلح ويستفاليا أساسياً في تطور منطق الدولة، باعتباره الاتفاق الأول في العصر الحديث، يقول: «في كتابه التنين (Leviathan) المنشور عام 1651 بعد سلام ويستفاليا بثلاث سنوات قام توماس هوبز بتوفير مثل هذه النظرية. تصور (حالة طبيعية) في الماضي حين كان غياب السلطة يتمخض عن نوع من (حرب الجميع ضد الجميع). وهرباً من مثل هذا الانعدام الأمني الذي لا يطاق بادر الناس، حسب تنظير هوبز، إلى التنازل عن حقوقهم لسلطة سياسية مقابل قيام الأخيرة بتوفير الأمن لجميع من هم داخل حدود الدولة. واحتكار الدولة السيادية للسلطة تم ترسيخه بوصفه الأسلوب الوحيد للتغلب على الخوف الأبدي من الموت العنيف والحرب».
ثم يرى في التنوير ذروة التحولات في العصر الحديث، وبخاصة ما قدمه روسو في نظريته السياسية الثورية، ومن ثم تطوير كانط لمونتسكيو في نظرية «السلام الدائم»، يعتبر هنري أن: «الفترة النابليونية كانت عنوان تمجيد التنوير وتأليهه. كان مفكرو تلك الفترة، مستلهمين مثالَي اليونان وروما، قد جعلوا التنوير مساوياً لقوة العقل، بمعنى انتقال السلطة من الكنيسة إلى نخب علمانية. ما لبثت هذه الطموحات أن تقطرت أكثر وباتت متركزة في قائد واحد، بوصفه التعبير عن السلطة العالمية. تجلى مثال ساطع على تأثيره في الثالث عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 1806، قبل معركة يينا بيوم واحد، تلك المعركة التي هُزم فيها الجيش البروسي هزيمة حاسمة. لدى مغادرة نابليون لاستكشاف أرض المعركة بصحبة أركانه، قام جورج فلهلم فريدريك هيغل، الذي كان محاضراً جامعياً (وكان فيما بعد سيؤلف كتاب فلسفة التاريخ الذي كان مصدر إلهام عقيدة ماركس)، بوصف المشهد بعبارات إطرائية وهو يصغي إلى طقطقة حوافر الخيول على الحجارة المرصوفة قائلاً: «رأيت الإمبراطور - روح العالم هذا - خارجاً من المدينة للاستعراض راكباً. إنه إحساس رائع حقاً أن يرى المرء فرداً كهذا متركزاً هنا في نقطة واحدة ممتطياً جواداً، يبسط ظله على العالم ويسوده».
ومع اشتداد الأزمة اليوم، وتحدي الوباء، كتب كسينجر مقالة في «وول ستريت جورنال»، وفيها قال: «الظروف الاستثنائية المصاحبة لفيروس كورونا، استدعت إلى ذاكرته، شعوره عندما كان جندياً في معركة الثغرة، إبان الحرب العالمية الثانية أواخر عام 1944؛ إذ يطغى حالياً الإحساس بالخطر المحدق الذي لا يستهدف شخصاً بعينه، وإنما يضرب بشكل عشوائي ومدمر. إن الاختلاف بين تلك الفترة البعيدة، وزمن بلاده الحالي، يتمثل في قدرة التحمل الأميركية التي عززها الارتكاز على غاية وطنية عليا، بينما الآن في بلد منقسم، يُعد وجود حكومة فعالة ذات رؤية ثاقبة، عاملاً ضرورياً للتغلب على العقبات غير المسبوقة من حيث الحجم والنطاق».
وأما على مستوى النظام العالمي وتحولاته، فيقول: «الجهود المبذولة لوقف الوباء، يجب ألا تعرقل المهمة العاجلة المتمثلة في إطلاق مشروع موازٍ، يهدف للانتقال إلى نظام ما بعد (كورونا)»، ويمهد لدعوته إلى مشروع عالمي موحد للقضاء على «كورونا» بقوله: «القادة يتعاملون مع الأزمة على أساس وطني، لكن آثار الفيروس على تفكك المجتمع لا تعترف بالحدود، وبينما يُؤمَّل أن يكون ضرره على صحة الإنسان مؤقتاً، فإن الاضطرابات السياسية والاقتصادية قد يمتد تأثيرها إلى أجيال»، ويتابع: «لا يمكن لأي دولة، ولا حتى الولايات المتحدة، التغلب على (كورونا) من خلال جهد وطني محض، يجب أن تتحد الجهود الحالية في رؤية وبرنامج مشتركين عالميين، إذا لم نتمكن من القيام بالأمرين معاً، فسوف نواجه أسوأ ما في كل منهما».
هذا التحول يعني أن مفهوم الدولة، والنظام العالمي سيمر بتحولاتٍ صعبة، والأخطر دخول البشر إلى «الحالة الطبيعية» في دولٍ تكاد يفلت منها زمام التحكم في المؤسسات، وقد يؤسس ذلك لصراعٍ على الغذاء، أو انتشار للجريمة، أو خوف من المستقبل وغزو للآخر، وبخاصة أن العلاقة بالآخر تشهد تحولاتٍ كبرى مع انتشار هذا الوباء، وصيحة كسينجر جديرة بالنقاش والتداول والدرس.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة