يوسف ياسين وسلامة موسى

يوسف ياسين وسلامة موسى

الأحد - 11 شعبان 1441 هـ - 05 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15104]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

يقول محمد حسن عواد في مقال من مقالات كتابه، «خواطر مصرحة»، وهو مقال «البلاغة العربية»: «فيا أيتها البلاغة العربية. ما أسمى ذوقك حينما اخترت مقراً للموتور (في طبعة 1961 الدينمو. والدينمو هو الذي صار يسمى فيما بعد بالمولِّد، أما الموتور فصار يسمى بالمحرِّك) الكهربائي الذي يفيض عليك نوره وناره تلك الأدمغة العربية المطربشة والمبرنطة ذوات فكرة التجدد العصري والذكاء النجيب، وضربت صفحاً، بل ربأت بنفسك أن تتدفقي من رؤوس غلاظ أفسدها ثقل العمائم وطول اللحى».
في مقاله الخامس من مقالاته العشر في الرد على كتاب محمد حسن عواد، يعلق يوسف ياسين على قوله هذا، فيقول: «وهذا من نوع افتتان الكاتب ببعض الكتاب العصريين من رجال المهجر السوريين، حتى عدّ كل معمم أو ذا لحية لا يصلح للأدب العربي، وإن كان في المعممين أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وأضرابهما».
اعتقد يوسف ياسين في ردوده على كتاب محمد حسن عواد، «خواطر مصرّحة»، وفي رده على المقدمة التي كتبها له عبد الوهاب آشي، أن شبان الأدب في الحجاز الذين ينادون بالتجديد الأدبي متأثرون بأدباء المهجر فقط. وهذا جزء من الحقيقة، أما الحقيقة كاملة، فإنهم متأثرون بهؤلاء ومتأثرون (بالدرجة الأولى وعلى نحو أوسع) بأصحاب التجديد في الأدب المصري. واعتقد خطأ بأن سلامة موسى أديب سوري مهجري! وقد وضعه مع جبران خليل جبران على رأس الأدب المهجري!
قصره تأثر شبان الأدب في الحجاز على أدباء المهجر أتى نتيجة لملحوظة عيانية، وهي التي نلمسها في قوله هذا: «فلو راجع الإنسان مكتبات شبان الحجاز لوجدها محشوة من مؤلفات رجال السوريين المقيمين في المهجر، فترى البعض منهم يستظهر كثيراً من أقوالهم، وينسج على منوالهم، ويتخلّق بآدابهم».
يوسف ياسين كان من المتعصبين للأدب القديم والمنغلقين عليه. فهو يعترف بأنه لم يقرأ كثيراً لأدباء المهجر لأن ما كتبوه في رأيه هو سخافات!
إن قوله عن أدباء المهجر: إن أسلوب أكثرهم بعيد عن الأسلوب العربي الفصيح. هو فكرة عامة لا تدل على معرفة واضحة بخصائص أدبهم وسمات أفكارهم.
وإن وصفه لأسلوب جبران خليل جبران بالروح المتقطعة، هو فكرة بسيطة أو أولية عن أسلوبه في الشعر والنثر. وكانت ذائعة عند أنصار الأدب القديم.
ضعف إلمامه بكتابات الأدباء المهجريين هو الذي جعله يعتقد أن افتنان محمد حسن عواد بها كان وراء عدّه كل معّمم أو ذا لحية لا يصلح للأدب العربي، رغم أن أدباء المهجر لم يقولوا بذلك نهائياً. وما كانوا ليقولوا به، لأن العمامة مع اللحية شارة لرجل الدين المسلم، وهم مسيحيون.
إن جبران خليل جبران الذي قرنه يوسف ياسين خطأ بالمصري سلامة موسى، وطناً ومهجراً وأدباً، كان ثائراً على الدين، لكن ثورته عليه كانت مقتصرة على الإكليروس والإيمان التقليدي المسيحي، من دون أن يكون ملحداً ولا ريبياً. في ديانته، ولا في ديانة الإسلام.
أما سلامة موسى، فأجزم بأن يوسف ياسين يجهله شخصاً وآراءً وأفكاراً، وإنما عرف اسمه وعرف تأثر محمد حسن عواد به، من استفتاح محمد حسن عواد كتابه برأي له عن مهمة الأدب، ومن قول عبد الوهاب آشي في مقدمة الكتاب عن أسلوب محمد حسن عواد: «أما أسلوب أديبنا وديباجته في نثره، فأسلوب من يفكر فيما يكتب لا من يفكر في كيف يكتب... وإن هذه الخطة، وإن لم ترق لدى المحافظين والرجعيين، غير أنها جارية على سنن حياتنا الحاضرة التي أصبحت مآزق تزاحمت فيها الأعمال والأشغال، فلا يطلب المرء فيها إلا كل أسلوب وجيز واضح، لا يزهق نفسه، ولا يرهق عقله، ولا يضيع أوقاته سدى، وهو الأسلوب التلغرافي الذي أشار إليه ويناصره الأديب الكبير سلامة موسى».
إن يوسف ياسين لو كان قرأ لسلامة موسى، لعرف أن محمد حسن عواد في الآراء التي قالها في مقاله «البلاغة العربية» كان صدى لبعض آراء سلامة موسى في الأدب والبلاغة العربية القديمة أو الكلاسيكية، وفي دعوته إلى أدب جديد وبلاغة عصرية لا صلة لهما بالأدب العربي القديم وبلاغته. وفي إزرائه بتراث العرب الأدبي.
الاستنتاج الذي استنتجه يوسف ياسين، وهو أن محمد حسن عواد عدّ كل معمم أو ذا لحية لا يصلح للأدب العربي استنتاج صحيح، لكن لم يكن هذا غرضه المباشر، فهو زجّ بالعمائم واللحى، ويقصد بها رجال الدين وعلماءه، للمفاضلة بينهم وبين الأدمغة المطربشة والمبرنطة والحاسرة، ويقصد بها الأدباء من غير رجال الدين، ليقول إن الأولين رؤوسهم غلاظ، وإن الأخيرين أدمغتهم ذات فكر متجدد وعصري وذكاء نجيب.
هذه المفاضلة المقحمة في مقاله الثاني، كان قد صنعها في مقاله الأول، مقال «مداعبة مع العلماء»، وذلك حينما فاضل بين علماء الدين في الحجاز وعلماء الغرب. الذي كان يستكثر فيه أن يسمي المتخصص بعلم من العلوم الدينية عالماً، لتأثره المشوش وغير المستوعب لنزعة سلامة موسى العلموية.
فالمفاضلة كانت هي غرضه المباشر. وكان غرضه من هذه المفاضلة أن يتندر على رجال الدين وعلمائه ويتهكم عليهم.
ولم يكن لمفاضلته أساس. وتندره وتهكمه كان بلا مناسبة ولا يوجد له مسوغ، وإنما هو تقليد محض لولي الدين يكن الذي كان يأتي تندره وتهكمه باللحي والملتحين في إطار مناسبة وضمن سياق محدد، ووفق رسالة علمانية راديكالية هو متساوق معها.
إن محمد حسن عواد في مقاله، «البلاغة العربية»، كان يهلل لاستعمال الكتَّاب للفظ الأجنبي، وهو لفظ «الموتور» في مقالاتهم، ويعتبره سمواً في الذوق. ولا أعرف لماذا خص «الموتور» بتهليله هذا، فثمة ألفاظ أجنبية عديدة تتعلق بالمخترعات الحديثة كان يستعملها الكتّاب في مقالاتهم. وقلّة قليلة منهم كانت تتوقف عن استعمال المخترعات الحديثة، إذا لم تجد لها تسمية عربية. هذه الأقلية القليلة يبلغ عددها (كما أحصاهم لطفي السيد في افتتاحية كتبها في جريدة «الجريدة» عام 1913) خمسة أو ستة كتاب.
ولا أعرف أين التجدد العصري والنجابة في الذكاء في استعمال الكتَّاب لفظ «الموتور» وغيره من الألفاظ الأجنبية التي لم يصنع وقتها مقابل عربي لها، وهي مما تجري بها ألسنة عامة الناس وخاصتهم، بمن فيهم رجال الدين وعلماؤه في مصر. إن الإنجاز يكون في صنع مقابل عربي للأسماء الغربية الجديدة، وليس في استعمالها كما هي في المقالات الصحافية.
فإن كان في هذا النقل الحرفي إنجاز، فالإنجاز يعود للناس العاديين، الذين هم أصلاً يستعملونها، ونقلها الكتاب عن ألسنتهم في كتاباتهم.
ثم إن المعترضين على استعمال الألفاظ الأجنبية في الكتابة لم يكونوا ذوي عمائم ولحى، بل هم ذوو طرابيش، وكانوا حالقي لحى، أي أنهم لم يكونوا من رجال الدين ولا من علمائه، بل كانوا من المدنيين.
وهؤلاء المعترضون، وهم من أنصار القديم في اللغة والأدب، لم يكن لهم سلطة على اللغة ولا على الكتّاب من أنصار الجديد في اللغة والأدب. وإنما لهم حق إبداء الرأي. وقد جرى بينهم وبين الفريق الثاني في عام 1913. نقاش هادئ ورصيد ومثمر ملأه الاحترام والتقدير والود.
وفي ذلك الوقت وقبله، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان الأدباء واللغويون ينحتون تسميات عربية لأسماء أجنبية. وكان الإسهام الأكبر فيه للبنانين. وكان أكثريتهم أو جلهم من المسيحيين. وهؤلاء المسيحيون في أكثريتهم كانوا ممن كانت لهم صلة بالسلك الكهنوتي المسيحي أو هم مِن هذا السلك.
أما رجال الدين الإسلامي وعلماؤه، فلم يكن لهم اهتمام بإحياء اللغة العربية، ولا كان عندهم هذا الوعي بهذه القضية، فيما عدا نزر قليل منهم. ومن هذا النزر القليل الإمام محمد عبده الذي هو (بالنسبة لمحمد حسن عواد) المثال الديني والأنموذج الإصلاحي. الإمام محمد عبده كان ذا عمامة وذا لحية. فهل كان رأسه غليظاً؟!
إن محمد حسن عواد في تهليله لاستعمال الكتّاب للفظ «موتور» ناقض هذا التهليل في مقال لاحق. ففي مقاله، «اللغة العصرية» قال: «وهناك مبحث آخر، هو مبحث التعريب، فمثل كلمات (بسكليت)، و(بالون) و(تواليت) إلخ... من صالح لغتنا العربية أن ننبذها للوراء ونستخدم مقابلاتها حفظاً لكرامة اللغة، وضنّاً بشهرتها، ونفوراً بها عن الخليط والدخيل الذي هو سمة النقصان والعيب، وهذا لا يمكن إلا بتواطؤ الجرائد والمجلات العربية على استعمال المعربات ليعم شيوعها... وإن لنا من اتساع لغتنا ما يكفينا هذا العبء، وقد تألفت في مصر من قبل سنوات – خمس أو أكثر، لا أتذكر – جمعية لغوية عصرية لهذا الغرض خصيصاً، فوضعت كثيراً من المعربات، ككلمة (دراجة) لبسكليت، و(منطاد) لبالون، و(مرقب) لتلسكوب، و(مجهر) لميكروسكوب، و(رَثْيَة) لروماتيزم. وخلاف هذه كثيرة. أما مثل تواليت، فلم أطلع على معرب لها مفرد. والظاهر أن تعريبها بكلمة واحدة لا يُستطاع لأنها تعطي معنى ترصيف الشعر على الطريقة الإفرنجية». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة