حين قرر الرئيس التركي إردوغان، مؤخراً، فتح الحدود أمام المهاجرين للهجرة إلى أوروبا، في محاولة لابتزاز دول الاتحاد الأوروبي، وحثّها على مساعدته في الحرب التي أشعلها في إدلب، شمال غربي سوريا، وعدم اكتراث أوروبا بمطلبه، كان يدرك أنه يلقي بتركيا في غمار مقامرة سياسية وعسكرية غير محسوبة العواقب. وقراره بفتح حدود بلاده أمام المهاجرين إلى أوروبا سوف يصعد حتماً من توتر علاقات أنقرة مع بروكسل.
تركيا، في الحقيقة، تمتلك في يدها مفاتيح أبواب ثلاثة طرق مهددة لأوروبا، تقود جميعها إلى إشكالية محنة هجرة جماعية ثانية. أولها مفتاح الحدود مع اليونان، وثانيها مفتاح البوسنة الذي يفتح الطريق أمام المهاجرين نحو بلدان البلقان، وثالثها مفتاح ليبيا الذي يقود المهاجرين نحو إيطاليا. الأول مفتاح جغرافي - حدودي، في حين أن المفتاحين الآخرين سياسيان نجما عن تزايد الحضور التركي في البوسنة، وتفاقم نفوذها في ليبيا بسبب دعمها العسكري والسياسي لحكومة الوفاق الوطني. وهذا الدعم الأخير، كما تؤكد تقارير إعلامية بريطانية، سبب نوعاً من التوتر في العلاقة الفرنسية –البريطانية، وأغضب الرئيس ماكرون من الحكومة البريطانية لفشلها في إدانة الدعم التركي لحكومة السيد فائز السراج.
الموجة، الحالية، من الهجرة الجماعية إلى بلدان أوروبا، بمبادرة ابتزازية تركية، تختلف عن سابقتها في عام 2015، كونها حدثت في وقت اتسعت فيه رقعة الخلاف الأوروبي من مسألة التصدي للهجرة، وهو الخلاف الذي أطل برأسه خلال الهجرة الأولى، ودفع العديد من الدول الأعضاء إلى رفض قبول العمل بمبدأ الحصة في تقاسم أعداد المهاجرين وتوطينهم، هذا أولاً. أما ثانياً، فلأن مدن أوروبا، الآن، مكتظة بالمهاجرين، وتنشط بها سياسيا حركات شعبوية وصلت، معتلية أمواج المهاجرين، إلى مراكز صنع القرار، وكذلك أحزاب يمينية متطرفة، تمكنت من الخروج من خانة الهامش خلال السنوات الماضية، مستغلة مشكلة المهاجرين، وأصبحت لاعباً أساسيا في المجرى السياسي العام، وصار لها نواب في عديد من البرلمانات، وصارت مصدراً لكثير من أعمال التوتر والعنف ضد المهاجرين، في عديد من المدن الأوروبية، آخرها كان في مدينة هاناو بألمانيا.
«وفقاً لاتفاق عام 2016 بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وافقت الأولى على إيقاف طالبي اللجوء السياسي من التوجه نحو أوروبا لقاء قيام بروكسل بدفع مبلغ 6 مليارات يورو لتحسين الظروف المعيشية للمهاجرين في تركيا. أي مهاجر يتمكن من عبور البحر إلى الجزر اليونانية وليس مؤهلاً للحصول على لجوء سياسي يرسل عائداً إلى تركيا».
الرئيس إردوغان، استناداً لتقارير إعلامية، يرى أن تركيا لم تنل ما تستحق من دعم وتمويل من ذلك الاتفاق، لذا يطالب الاتحاد الأوروبي بدفع المزيد من الأموال لدعم أعداد المهاجرين المتفاقمة في تركيا. كما يطالب بتسهيلات أكثر للمواطنين الأتراك في حصولهم على تأشيرات دخول لدول الاتحاد الأوروبي، ويطمح لرؤية تحقيق تقدم فعلي فيما يخص تأسيس اتحاد جمركي بين بلاده وبروكسل.
وتصعيده السياسي والعسكري الأخير، يهدف إلى انتزاع ضمان أمن حدود تركيا الجنوبية مع سوريا، بقوة السلاح، عبر خلق منطقة عازلة في إدلب ضد الجماعات الكردية المسلحة، ولإيواء ملايين المهاجرين السوريين في بلاده، وأن يلتزم الاتحاد الأوروبي بمساعدة تركيا في جهودها المبذولة نحو 3.5 مليون لاجئ يعيشون في أراضيها، وأن تستخدم روسيا نفوذها مع سوريا لوقف الهجوم على إدلب. لكن تلك المطالب لم تجد آذاناً صاغية سواء من الاتحاد الأوروبي أو من روسيا. وهذا بدوره جعل الرئيس إردوغان يقامر باتخاذ قرار فتح الحدود، وتوفير وسائل المواصلات لتوصيل المهاجرين إلى المناطق الحدودية مع اليونان وبلغاريا، ولتجد أوروبا نفسها، وليس اليونان وبلغاريا فقط، وجهاً لوجه، مرة أخرى، أمام خضم موجة جديدة من آلاف المهاجرين، وعلى خلاف ما تدعي السلطات التركية، لم يأتوا من إدلب، وأغلبهم ليسوا سوريين.
ويبدو، من تطور الأحداث، أن تقدم القوات السورية وحلفائها نحو إدلب رغم كل التحذيرات التركية، جعل الرئيس إردوغان يسارع باتخاذ قرار بإرسال وحدات قتالية لصد قوات الأسد المدعومة من روسيا وإيران وحزب الله في لبنان. وحين تلقت قواته ضربة أولى موجعة أثار ذلك سخطا شعبيا في تركيا. ولدى تطور الوضع الميداني العسكري سعى إردوغان إلى طلب مساعدة بروكسل وحلف الناتو. المساعدة المطلوبة لم تأت إلا على نحو بسيط تمثل في تقديم معلومات استخباراتية وغيرها. عزوف بروكسل وحلف الناتو عن تقديم المساعدة يعود إلى رفض تركيا الاستجابة إلى طلبهما المتعلق بإلغاء صفقة الأجهزة الدفاعية مع موسكو. الرفض التركي أدى، أيضاً، إلى حرمان تركيا من الحصول على الجيل الجديد من طائرات حلف الناتو المقاتلة.
أضف إلى ذلك أن العلاقات مع واشنطن ليست في وضع أفضل، وتمر بمرحلة توتر ليس عاديا. في حين أن العلاقة مع موسكو في حالة تأرجح وقد تنزلق نحو المواجهة، لاختلاف المصالح، وتضارب الأهداف. فموسكو ليست على استعداد لقبول وقف العمليات الحربية، كما تطالب تركيا، ضد ما تسميهم الإرهابيين في إدلب.
TT
محنة الهجرة الثانية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
