«لقاء تشرين» معاً من أجل استعادة الدولة المخطوفة

«لقاء تشرين» معاً من أجل استعادة الدولة المخطوفة

الخميس - 4 رجب 1441 هـ - 27 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15066]
حنا صالح
كاتب لبناني

100 عام انقضت على إعلان دولة لبنان الكبير.
76 سنة هي عمر الاستقلال للجمهورية اللبنانية.
45 عاماً هي عمر الحروب الأهلية والاحتلالات وغياب الاستقرار الاجتماعي.
135 يوماً انقضت على تفجير اللبنانيين ثورة استعادة الكرامة، وإنهاء عقود من الانتهاكات. والمواطنون أمام التحدي: إما بقاء حكم المحاصصة الفاسد وإما استعادة الدولة المخطوفة والتزام الدستور، وبالتالي إنجاز أبرز أهداف ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) بقيام دولة حقوق الإنسان، وحكم القانون، والشفافية، والمساءلة، وحماية الحرية.
وضعت الطبقة السياسية الممسكة بمقاليد الحكم والمرتهنة لمحور الممانعة، كل اللبنانيين أمام عيِّنة خطيرة من السلوك الأقرب إلى المافيوي، فبات المواطن معرضاً للقتل، إما جوعاً بعد نهب البلد وإفقاره، وإما بـفيروس «كورونا»! لأنه دون وقف الرحلات الجوية بين بيروت وطهران «اعتبارات سياسية» على حد قول وزير الصحة العضو في «حزب الله»، فتتقدم التبعية والالتحاق على أولوية التزام السلطة بالصحة العامة للمواطنين كما في كل الدول الطبيعية.
وبالمقابل فإن الثورة مستمرة وتستقطب كل يوم فئات جديدة متضررة وذات مصلحة في التغيير، وهي إن لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، فقد أكدت أنه بعد «17 تشرين» بات مستحيلاً استمرار نظام المحاصصة الطائفي الفاسد. لقد وفَّرت الثورة اللحظة التأسيسية للشروع في ورشة بناء الدولة الحديثة، لتستعاد معها الجمهورية وقيمها، ويبني المواطنون نظامهم الديمقراطي، العصي على الخوف والتعصب والتمذهب، على أنقاض نظام محاصصة محكوم بعنصرية دينية وبندقية لا شرعية.
لقد أدى بروز رأي عام مواطني، عبرت عنه جرأة الساحات، إلى تعرية التحالف الطائفي، وتسليط الضوء على الارتكابات والبشاعات، فتأكدت الحاجة إلى التغيير السياسي، وهو الخيار الآخر الذي بلوره الرأي العام الثوري، كممر لاستعادة الحقوق من جهة، ومن الجهة الأخرى الطريق لإخراج لبنان من صراع المحاور الذي زُجَّ به، دفاعاً عن نظام ملالي إيران، فتم تحميله أعباء سياسات لا ناقة له فيها ولا جمل.
جاءت الثورة، ولنتذكر معاً أن كل محركاتها الظاهرة مطلبية، فجَّرها القرار الشهير بفرض ضريبة 6 دولارات شهرياً على تطبيق مكالمات «واتساب»، ففاضت الكأس، وظهر أثر التراكم المديد من التعدي على الحقوق والكرامات طيلة الثلاثين سنة الماضية. من البداية، كان رد «حزب الله»، القائد الفعلي للسلطة، الاتهام والتخوين وإعلان أنها تستهدف سلاحه، واتسع التحرك مترافقاً مع تجاهل جوهري للأسباب التي أنزلت الناس إلى الشارع، ومع تسارع الانهيار بسبب سعر صرف الدولار وفقدان الليرة نحو 75 في المائة من قيمتها، وتراجع القدرة الشرائية بشكل دراماتيكي، وانهيار المؤسسات، واستشراء البطالة، وانكشاف موبقات الكارتل المصرفي الذي هرَّب الأموال وأذل المودعين.
لم تقدم السلطة ما يشي بأنها معنية بمصالح الناس، وهي حتى اليوم لم تعقد أي لقاء مع المتضررين من الكارثة التي تضرب لبنان، كل الاجتماعات تحت عنوان مواجهة الأزمة كانت تتم مع مسببيها، وفي ذلك رعونة من المسؤولين عن الفشل، واستخفاف بمعاناة المواطنين.
أظهر مسار المواجهة استحالة تحقيق الحد الأدنى من المطالب، فكان من الطبيعي أن يتقدم مطلب الثورة في حتمية إعادة تكوين السلطة، وبات جلياً أن قوة التحرك الثوري ترتبط بالإصرار على التغيير الحقيقي، ومدخله حكومة مستقلة عن الأحزاب الطائفية التي تسببت في الانهيار، وترسخت القناعة بأن بقاء نظام المحاصصة الطائفي سيتيح لمافيا الحكم متابعة سياسات الصفقات المربحة والنهب والسطو.
بالتزامن، كانت الأبحاث الجارية بين ناشطين يميزهم التنوع والتجربة ومجموعات جدية منخرطة بقوة في الثورة، لبلورة توجهات تصلب المسار الثوري، وتطور خيارات مسار المواجهة، قد بلغت مداها، وحتمت الانتقال إلى مرحلة متقدمة تنظيمياً، تتوافق مع ما مثَّلته «17 تشرين» من لحظة نهاية لنظام المحاصصة، والانطلاق نحو نموذجٍ بديل يفضي إلى ولادة الجمهورية الجديدة، فكان التوافق على تأسيس «لقاء تشرين» كتجمع سياسي وضع أمامه مهمة «المساهمة في عملية التغيير الجذري والشامل، تحقيقاً لحياة أفضل يطالب بها اللبنانيون، وتحديداً الجيل الشاب».
«لقاء تشرين» الذي أعلن عنه الأحد 23 فبراير (شباط) بمشاركة وطنية واسعة عابرة للمناطق والطوائف، أكد أنه يرى دوره في قلب الفئات الساعية لتعبئة قدرات المجتمع اللبناني، لإنجاز عملية التغيير السياسي، من أجل «عقدٍ اجتماعي جديد بين اللبنانيين، يوحدهم للعبور باتجاه دولة مدنية حديثة وديمقراطية، مرجعيتها حقوق الإنسان».
وفي هذا السياق يرتدي القانون المدني الموحد للأحوال الشخصية أهمية خاصة، وغني عن القول إن تطبيق المادة 95 من الدستور التي تنص على إلغاء الطائفية، يمهد لتشكل طبقة جديدة من السياسيين المستقلين الذين يمثلون روح الثورة ومبادئها.
سيكون «لقاء تشرين» الذي ولد في ساحات المواجهة، ومن رحم الثورة، تحت المجهر والمتابعة والنقد والمحاسبة، وإذا كان يمثل حقيقة قيمة مضافة تتمثل في التنوع والخبرة وشمول التمثيل وطنياً، فهو أمام تحدي جمع الجهود والمساهمة في تنسيق وابتداع أشكال المواجهة، وحث الثوار على بلورة المشترك، وهو كثير، خلال المرحلة التأسيسية التي حدّد سقفها بـ6 أشهر، وصولاً إلى قيام جبهة سياسية، لا مكان فيها لأيتام الممانعة، من أجل استعادة الدولة المخطوفة التي تغولت عليها الدويلة، وسخرتها في خدمة الخارج، ولم تتأخر عن التموضع في مقدم المدافعين عن فساد التركيبة الطائفية التي علَّقت الدستور واستباحت القوانين وطوَّعت المؤسسات، بما فيها المؤسسات الأمنية والقضائية لتغطية ممارساتها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة