البحث عن أمل... البحث عن عمل

البحث عن أمل... البحث عن عمل

الأربعاء - 25 جمادى الآخرة 1441 هـ - 19 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15058]
داود الفرحان
كاتب عراقي

تتوقع منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة أن يرتفع عدد العاطلين عن العمل حول العالم خلال العام الحالي إلى أكثر من 190 مليون شخص. وهو رقم لم يقطع أنفاس من أعدوا هذه القائمة؛ لأن الرقم السابق لعام 2019 كان 188 مليون شخص عاطل. ومع ذلك، فإن الرقم الحقيقي للعاطلين، كما أعلنت الأمم المتحدة نفسها، يصل إلى أكثر من 370 مليون شخص عاطل أو في حالة بطالة مقنعة أو يعملون بأجور غير كافية مثل باعة الأرصفة أو عمال الأنشطة الموسمية الذين يبقون عالقين في براثن الفقر.
ودائماً نجد في كل برامج وخطط الحكومات في الدول الفقيرة أو المتوسطة أو الغنية بنداً مهماً هو «مكافحة البطالة». لكنه شعار يبدو أحياناً تضليلياً ليس في الدول الفقيرة فحسب، بل في دول ميسورة أيضاً. وأضرب في هذا مثلاً العراق الذي يقترب إنتاجه اليومي من النفط الخام من خمسة ملايين برميل، وتصل فيه معدلات البطالة بين الشباب إلى أكثر من 22 في المائة، وهي أعلى نسبة بطالة في الشرق الأوسط، حسب إحصائيات الجهاز المركزي العراقي للإحصاء. وتتحمل وزر هذا الرقم الصعب الحكومات المتعاقبة منذ 2003 حتى اليوم، وهو ما يفسر الدافع الأساسي لمظاهرات الاحتجاجات التي ما زال العراق يشهدها منذ خمسة أشهر وخلفت آلاف الضحايا بين قتيل وجريح ومعتقل ومختطف. لم تكن هذه المظاهرات سياسية في بدء اندلاعها، لكنها تحولت إلى شعارات سياسية لإسقاط النظام بسبب عدم جدية الحكومة في إيجاد حلول عملية للبطالة واستشراء الفساد والعمالة المتسللة من إيران، وباكستان، وأفغانستان، بينما يجلس شباب العراق على الأرصفة انتظاراً لفرصة عمل ولو يومية لسد احتياجات عوائلهم. وقد تعمدت الحكومات العراقية المتعاقبة طوال 17 عاماً فتح منفذ وحيد للعمل أمام الشباب وهو الالتحاق بقوات الجيش والأجهزة الأمنية والميليشيات الإيرانية. أما فرص العمل المدني الدائم فهي لأعضاء الأحزاب الحاكمة وأبناء وأقارب المسؤولين الذين يحتلون أهم المناصب.
الحالة نفسها نجدها في سوريا، ولبنان، واليمن، وليبيا، والسودان، وتونس، والجزائر. تونس التي انطلقت منها شرارة البطالة في قيام الشاب التونسي طارق الطيب محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 بإضرام النار في نفسه احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية عربة يدوية يبيع عليها الخضراوات والفاكهة. ودائماً مظاهرات العاطلين والفقراء سريعة العدوى كما شاهدنا في فرنسا وفنزويلا وبعض دول أميركا اللاتينية، وحالياً في العراق ولبنان. وكلما سارعت الحكومات إلى إيجاد حلول عملية مناسبة يمكن احتواء المظاهرات بشكل أقل في الخسائر.
اليوم تقدم مصر مثالاً ناجحاً في تقليل مستويات البطالة، فقد طالعنا في «الشرق الأوسط» مؤخراً أن معدل البطالة تراجع في نهاية العام الماضي إلى 8 في المائة مقابل 8.9 في المائة في عام 2018، وبلغ حجم قوة العمل نحو 29 مليون فرد خلال الربع الأخير من عام 2019 نتيجة المشروعات الكبيرة الكثيفة العمالة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والمدن والطرق الحديثة وتجميع السيارات الأجنبية، بالإضافة إلى التوسع في المجمعات الصناعية التي تشمل 4500 مصنع توفر المزيد من فرص العمل. وقد انعكس ذلك في تراجع معدلات الهجرة غير الشرعية طبقاً لإحصائيات حكومية معتمدة.
أوروبياً، تحتل اليونان المركز الأول في أعلى معدلات البطالة (18.9 في المائة) في عام 2018 تليها إيطاليا. أما أدنى معدلات البطالة فهي في جمهورية التشيك (2.8 في المائة) تليها ألمانيا.
والآن، دعنا من الرسميات والحقيقة والواقع والإرهاصات لننتقل إلى الخيال العلمي الإنترنتي الذي تفوق على الأديب الدنماركي هانز كريستيان أندرسون ورواياته الخرافية، والمنتج السينمائي الأميركي والت ديزني ورسومه المتحركة (الاثنان توفيا بالسرطان). لقد انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان العاطل يلف ويدور في شوارع المدينة للبحث عن وظيفة. فتكنولوجيا العصر، وأعني بها الإنترنت، تتيح لأي عاطل أن يجلس أمام شاشة الكومبيوتر ويـُقلب في ملفات الوظائف الشاغرة، ليس في المدينة التي يسكنها فقط، إنما في عواصم العالم المختلفة إلى أن يجد الوظيفة المناسبة من دون أن يفقد ماء وجهه. وأكثر من ذلك يمكن أن يدخل اسمه ومؤهلاته وشهاداته فيقوم الجهاز باختيار الوظيفة المناسبة له من دون بحث في الشوارع والعمارات والمؤسسات.
فموقع «وظائف حول العالم» يساعد الباحث في إيجاد وظائف في مختلف الدول، ويتيح له أن يختار ما يناسب ظروفه وإمكاناته، كما يسمح له بأن يضع مواصفات العمل الذي يريده والأجر الذي يطلبه، وهو الأمر الذي يتيح بدوره لأصحاب العمل والمؤسسات أن يختاروا أفضل الموظفين بأحسن المواصفات. أما موقع «الوظيفة الإلكترونية» فشعاره هو التوفيق بين عروض الشركات وطلبات الباحثين عن الوظائف، حيث تستطيع الشركات الإعلان عن الوظائف الشاغرة فيها والشروط الواجب توافرها في المتقدمين، ويتولى الموقع ترشيح المناسبين وفقاً للسير الذاتية التي تقدم بها العاطلون.
وللعاطلين العرب موقع خاص عنوانه «بيت الوظائف» يقدم عرضاً للوظائف الشاغرة في كثير من الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، حيث يمكن للباحث أن يبدأ باختيار الدولة التي يرغب في العمل فيها، ثم يضع سيرته الذاتية وينتظر اتصال الشركة التي يقع اختيارها عليه، أو يبادر هو إلى اختيار واحدة من الوظائف المتاحة.
إلا أن موقع «التخطيط السليم لمستقبلك» يحاول أن يساعدك في اختيار نوع الوظيفة التي تناسبك حسب تخصصك العلمي أو المهني، ومستوى الخبرة التي لديك والوظائف الشاغرة التي تصلح لها أو تصلح لك. وأسمع بين القراء من يقول إن اسم هذا الموقع يدعو إلى الشك لأنه يشبه إعلانات عيادات زرع الشعر.
المشكلة التي تواجه المتعاملين مع هذه المواقع غياب بعض التفاصيل المهمة التي تساعد الباحث على الوصول إلى نتيجة مُرضية، خاصة إذا كانت الوظيفة الشاغرة في بلد آخر لم يزره من قبل. ماذا عن الإقامة - مثلاً -؟ ماذا عن تعليم الأولاد؟ ماذا عن النقل؟ ماذا عن الإجازات؟ ماذا عن التعويضات؟ ماذا عن التأمين الصحي؟
السيرة الذاتية مهمة، وهي بالنسبة للتعيين في الوظائف مثل «مقدمة ابن خلدون» لا بد منها لأي باحث في التاريخ أو الاجتماع أو السلوكيات أو النظم السياسية. وهي تحتاج إلى خبرة وتدريب ليعرف الشخص ماذا يعلن وماذا يخفي وهو يكتب سيرته الذاتية. ودائماً خذ هذه النصيحة: ابتعد عن السياسة والراتب في سيرتك الذاتية. فالشركات تفضل الإفلاس على أن يتهمها أحد بأنها تتعاطى السياسة، كما أن مديري التعيين في الشركات مصابون بالحساسية من أي إشارة إلى الراتب المطلوب ترد على لسان طالب الوظيفة أو في سيرته الذاتية؛ لأنهم يعتبرون ذلك تدخلاً في شأن هم أصحاب القرار فيه.
طبعاً، هناك وظائف لا تحتاج إلى سيرة ذاتية أو شهادة دراسية. ففي بعض دول جنوب شرقي آسيا مكاتب لتأجير المتظاهرين لقاء مبالغ زهيدة مقابل رفعهم صور بعض السياسيين وشعاراتهم والهتاف بأسمائهم والمشي في الشوارع الرئيسية أمام عدسات المحطات التلفزيونية لتأكيد شعبية هؤلاء السياسيين وجماهيريتهم. ويمكن للمتظاهرين المشاركة في مسيرات تؤيد وتبايع سياسيين متخاصمين وعلى طرفي نقيض في يومين متتاليين لأن الجانبين دفعا والشباب تلقوا... وبالروح بالدم! ولماذا نذهب بعيداً، هناك بعض المطربين العرب يستأجرون شباناً وشابات يجلسون وسط المشاهدين في الحفلات مقابل رواتب شهرية ثابتة، وكل ما عليهم أن يفعلوه هو الوقوف خلال غناء المطرب والتصفيق والرقص والهتاف وطلب الإعادة. وشكراً للمطربين على مساهمتهم في مكافحة البطالة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة