تجديد الخطاب الديني لا خلخلته

تجديد الخطاب الديني لا خلخلته

الثلاثاء - 23 جمادى الآخرة 1441 هـ - 18 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15057]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

تذكر مصادر التاريخ أن القائد المغولي غازان بن آرغون، سلطان التتار وحفيد جنكيز خان، وكان على طريقة جدِّه الأعلى جنكيز خان، أنَّه حين تولى المُلك كان له نائب اسمه نوروز عرض على السلطان غازان اعتناق الإسلام، فأسلَم ونثَر الذهب والفِضَّة واللؤلؤ على رؤوس الناس بهذه المناسبة، وفَشَا الإسلامُ بعد ذلك في التتار الذين غزوا حاضرة الخلافة الإسلامية فطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد وجعلوا أعزة أهلها أذلة، ولأن المغول يملكون قوة باطشة بلا فكرة نافذة، فقد صار من السهل أن تتغلب الفكرة على القوة حتى ولو كانت غاشمة محتلة، فتأثروا بآيديولوجيا المهزومين واعتنقوا الإسلام مع أن المنطق يفرض العكس، تماماً كما فعل الاستعمار الغربي حين احتل الجغرافيا واحتل معها بآيديولوجيته العقول.
اللافت في الأحداث المثيرة المصاحبة لإسلام الملك المغولي، وهو الذي يهمّنا هنا، أن أحد المسلمين ممن لا يملك عقلانية التصرف والنظر في المآلات والعواقب قال للملك المغولي المسلم الذي ضم نساء أبيه إلى نسائه: إنَّ دين الإسلام يُحرّم نكاحَ نساء الآباء، وقد كان استضاف نساءَ آبائه إلى نسائه، وكانت أَحَبَّهُنَّ إليه فتاة جميلة اسمها بلغان خاتون، فَهَمَّ أن يرتدَّ عن الإسلام، فقال له بعضُ خواصّه: إنَّ أباك ليس مسلماً، وعليه فلم تكُن بلغان معه في عَقْد صحيح، فاعقدْ أنتَ عليها، فإنَّها تَحِلُّ لك، ففعل، ولولا هذه المشورة الحصيفة لارتدَّ عن الإسلام، ولرجع على منهج جده جنكيز خان ظلماً وتخريباً وفتكاً وسفكاً للدماء.
وفي هذا السياق حادثة أخرى تدل على أهمية الحكمة والنظر في عواقب الأمور وليس أخذ الأمور بظاهرها، فقد روي عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه مرّ وهو في جماعة من أصحابه على مجموعة من التتار وهم يعاقرون الخمر، فأراد أصحابه أن ينهوهم فقال: دعوهم، هؤلاء إذا سكروا سلم الناس من شرهم، وإذا أفاقوا أفسدوا.
ليس ثمة زمنٌ الناسُ فيه أحوج إلى الرفق بهم والتعامل معهم بحكمة وعقلانية وحدب مثل هذه الفترة التي تعززت فيها موجة الإلحاد وخلخلة الفضائل واستطاعت فيه شبكات «السوشيال ميديا» أن تكسر كل الحواجز الأخلاقية والفكرية، وهذا بالضبط ما يعنيه الفهم السليم لمصطلح «تجديد الخطاب الديني»، التجديد الذي يحافظ على الثوابت ويطور في الأساليب، يراعي حال المخاطب كل زمان بحسبه وكل حالة بظروفها، تماماً كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب في عام الرمادة وهو عام المجاعة فلم يطبّق الحدود على السارقين.
والمؤسف أن بعض المثقفين والأكاديميين والإعلاميين فَهِموا من تجديد الخطاب الديني خلخلة الأسس القديمة أو التخلي عنها، وهذا ما فهمه الكثير مثل رئيس جامعة القاهرة في مناظرته الشهيرة مع شيخ الجامع الأزهر، وقد استدرك عليه شيخ الأزهر بعبارة بليغة قائلاً بأن التجديد يقضي بـ«ترميم بناء قديم» وليس مغادرته.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة