ليبيا واستنساخ التجربة السورية

ليبيا واستنساخ التجربة السورية

الخميس - 7 جمادى الأولى 1441 هـ - 02 يناير 2020 مـ رقم العدد [15010]
إميل أمين
- كاتب مصري

للمرة المائة بعد الألف نكرر القول: إن لم يكن التاريخ مؤامرة، فإن المؤامرة موجودة في بطون التاريخ وأحاجيه، وما تتعرض له المنطقة العربية منذ عقد من الزمن لا يمكن أن يصب أبداً في خانة أي من المصادفتين القدرية أو الموضوعية، فلا مصادفات عند صانعي الاستراتيجيات الكبرى حول العالم، من زمن وثيقة «سايكس بيكو»، وصولاً إلى «سيفر» وحتى تفاهمات «الإخوان المسلمين» مع آيزنهاور في البيت الأبيض في مارس (آذار) 1954، وصولاً إلى اللحظة الضبابية الآنية.
هل ما يجري في ليبيا فصل جديد من فصول المؤامرة، أو سمها كيفما تشاء، فصل يعاد فيه إنتاج واحدة من أسوأ تجارب العرب في القرن الحادي والعشرين، التجربة السورية التي تدخل عاماً جديداً من غير توافق وطني سوري، ما يعني أن الخرق اتسع على الراتق، ولا حل شاملاً يلوح في الأفق؟
سريعاً سعى الأوروبيون - وفرنسا تحديداً - إلى إسقاط النظام الليبي السابق، وقد دعم «الناتو» العملية العسكرية، غير أن السؤال: هل كان لدى هؤلاء وأولئك سيناريو لليوم الثاني، أم أن الأمر لم يكن يهم أحداً، فقط كان بيت القصيد وصول ليبيا إلى لحظة التناحر الحالية، واهتراء النسيج المجتمعي الليبي، الذي عاش أربعة عقود ونيفاً تحت ضغوطات وكبت كانا لا بد لهما من إسقاط لا يبقي ولا يذر من معالم وملامح الدولة الليبية الموحدة شيئاً؟
الشكوك الساكنة حنايا علامة الاستفهام المتقدمة تتعاظم في الأيام الأخيرة، وخصوصاً في ظل التحركات التي تنافي وتجافي القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن بالنسبة لليبيا.
يسابق الرئيس التركي إردوغان الزمن، من أجل إرسال قوات نظامية إلى حكومة «الوفاق»، فيعدل موعد مناقشة البرلمان التركي للأمر، من الثامن من يناير (كانون الثاني) إلى الثاني منه، ما يفيد بأن هناك خطة موضوعة مسبقاً لجعل ليبيا موقعاً وموضعاً لدور عثمانلي جديد، مشابه لما فعل في سوريا من قبل.
لسنا هنا في باب المحاججة بما إذا كانت الفكرة سديدة أم لا، وما إذا كان الأمر برمته ليس إلا بروباغندا إعلامية من عدمها، فالقاصي والداني يعلم أن نقل قوات نظامية أمر لا تقوى عليه سوى القوى الدولية الكبرى، كالولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وليس لدى تركيا حاملات طائرات أو أساطيل تجوب البحار، وتمكنها عند لحظة بعينها من مشارعة الكبار على أهدافهم ورؤاهم القطبية، في عالم يتغير فيه جيوبولتيك العالم بسرعة بالغة.
نحن هنا أمام تساؤلات أعمق من كون تركيا عضواً في حلف «الناتو»، يسعى للتدخل في أراضي دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة، ووراءها قرار من مجلس الأمن يقضي بعدم توريد السلاح إلى ليبيا برمتها.
ما هو الموقف الرسمي لـ«الناتو» من تركيا؟
كافة ما يتم الاستماع إليه حتى كتابة هذه السطور من تصريحات، يمكن وصفه بالميوعة السياسية التي تفتح الباب واسعاً لمزيد من الشكوك حول ما يجري، لا سيما أن هناك بوضوح نيات لتحويل ليبيا إلى حاضنة جديدة للطبعة الثانية من تنظيم «داعش»، وعلى غير المصدق الرجوع إلى عدد من الفيديوهات التي تبين وصول مقاتلين سوريين إلى الداخل الليبي. تحت بصر ونظر العالم، ينقل إردوغان إرهابيي «داعش» و«جبهة النصرة»، وبإغراءات مالية وأدبية، كالوعد بالجنسية التركية حال الفوز على الجيش الوطني الليبي. يسارع كاره العرب التقليدي إلى ليبيا لتحويل دفة المعركة، والمريب هنا إلى حد التصديق أننا إزاء فصل جديد من فصول المؤامرة، ما نراه من استكانة أوروبية تصل إلى حد الاستسلام لإردوغان، الأمر الذي يفتح الباب للشكوك حول ما إذا كانت هناك أطراف أوروبية بعينها، تتماهى معه من أجل مصالح سوف تتبدى لاحقاً عند تقسيم المغانم والمغارم وبعد انتهاء المعركة.
مؤلم جداً المشهد الأوروبي، لا سيما الفرنسي الإيطالي بنوع خاص، فما رأيناه طوال سنوات خلت لم يكن سعياً لصالح ليبيا أو الليبيين بالمرة، ولكنه كان ضرباً من ضروب قسمة الغرماء لنفط وغاز وسواحل ليبيا، ولتتفتت ليبيا؛ بل ليس سراً نذيعه القول إن هناك صدامات كانت ولا تزال تجري على الأرض بين الجانبين. هل المشهد الأميركي أفضل حالاً من الأوروبي؟
بالقطع لا، وكلا ألف مرة ومرة، فواشنطن مشغولة، أو تتراءى للناظر كذلك، في حين تغيب النيات وتتوارى الطوايا الأميركية إلى أجل مسمى، فما يهم الولايات المتحدة هو ألا تخرج خالية الوفاض من بحيرة الغاز الساكنة تحت مياه المتوسط، والتي أدخلت المنطقة إلى دائرة جديدة من دائرة لعنات الطاقة، إن جاز التعبير.
على أن ما يجعل المرء يربط بين نشوء وارتقاء وصعود الحلقة الجديدة من مسلسل الإرهاب معقود بالموقف الأميركي وبعض من مواقف الدول الأوروبية لجهة قضية مكافحة الإرهاب، ماذا يعني ذلك؟
قبل أسبوعين، ارتفع الصوت الأميركي الحاكي عن انسحاب القوات الأميركية من غرب أفريقيا، بحجة التفرغ إلى ما هو أهم، أي المواجهة مع روسيا والصين.
هل يعقل مثل هذا القرار في الوقت الذي يجد فيه «داعش» دعماً تركياً، في الصومال ونيجيريا وكينيا وما حولها، وصل إلى حد عودة «داعش» للذبح وبث مشاهد حية كما قبل عدة أعوام؟
أما أوروبياً، فلديك ألمانيا التي رفضت مساندة جهود فرنسا في دعم مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي... ماذا ينتظر الجانبان؟
عودة «داعش» و«القاعدة» في نسخة جديدة، ولأهداف لا تغيب عن أعين الناظر للخريطة الشطرنجية الإدراكية؟
الشك يضحى يقيناً يوماً تلو الآخر، وغداً لناظره قريب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة