ويل لأمة نسيت جبرانها

ويل لأمة نسيت جبرانها

السبت - 17 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 14 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14991]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
الحل في لبنان ليس مستحيلاً، بل في متناول اليد، إذا ما تخفف من حمولته السياسية الزائدة، والثرثرة القاتلة. بعد ما يناهز الشهرين من الانتفاضة الشعبية، الحصيلة هي الكثير جداً من الكلام والمناكفات، وما يقارب الصفر من النتائج المثمرة. ترى بؤس العباد فتظن أن السماء لا بد أن تمطر اليوم وليس غداً، وتلتفت إلى الطبقة السياسية بعجفها فتتأكد أن الأرض ستبقى بوراً، متصحرة، قاحلة. لا شيء في الذهنية السائدة يوحي بالليونة، واللدانة، وحسن التدبير، وابتكار في التفكير. الحسابات هي ذاتها، الثأرية على حالها، والجشع يتعاظم ليصبح أكثر وقاحة وجلافة. سلّم الناس بأنهم متروكون لقدرهم، بعد أن أُخرجوا عنوة من عصر النقد، وقد جفّت السيولة، وعادوا بحسن سليقتهم إلى زمن المقايضة، مستغنين عن مصارف أُغلقت في وجوههم، وحساباتهم التي يُفترض أنها ودائع بأكثر من 180 مليار دولار تقترب من أن تسلب منهم. هم لا ينسون أن حكّامهم أنفسهم أصحاب البنوك أيضاً، ومن استولوا على أموالهم وقيدوا حركتهم. وهم كذلك الذين يسوسون مناقصات دمّرت البيئة، وكوّمت النفايات، وأغرقت الشوارع عند أول انهمار للمطر، حتى أحالتها أنهاراً وسيولاً جارفة، تصلح للسباحة أكثر مما تناسب المشي. لا، لم يشهد لبنان يوماً كل هذا الظلم والإجحاف بحق الناس. حتى الحرب كانت أرحم عليهم من وطأة المعاملة اللامبالية حد الاستفزاز، لا، بل والجنون.
ماذا ينتظر أهل الأحزاب الديناصورية، كي يخرجوا من تعنُّتهم؟ ماذا ينتظرون كي يشكلوا حكومة يعترفون فيها بأنهم فشلوا في إدارة كل وزارة تدرّ مالاً، ويتركونها لمن هم ثقة وأهل كفاءة من غير أزلامهم وأتباعهم وسماسرتهم؟ هنيئاً لهم، من بعدها، ليحتفظوا ويوزعوا فيما بينهم، ما يعتبرونه أمنهم وسلامتهم، من وزارات داخلية ودفاع وخارجية، ما دامت السياسة هي هاجسهم الأكبر، كما يقولون، والحسابات الكونية هي التي تؤرقهم. ما يحتاج إليه الجائع هو كسرة خبز وجرعة ماء، وليس خطابات وعنتريات وتفاؤلاً كاذباً. ولّى زمن الوعود الزائفة. ما عاد أحد يصدق ما يتفوه به سياسي مهما كبر حجمه. كسرت الثقة واستحالت حطاماً.
عند الانهيارات الكبرى، والمآسي الإنسانية العظمى، يُفترض أن تأتي الحلول خارجة على جاري العادة. أن تكون الرؤى الخلّاقة بمستوى التحديات؛ أن يتنازل القادرون عن مكتسباتهم ولو قليلاً. أن يعترف الفاشلون بأنهم أخفقوا بدل أن يتقاذفوا التهم. أن يتحملوا مسؤولياتهم بشجاعة. هذا كلام لم يعد يجدي مع من صُمّت آذانهم لشهرين. ومن لُقنوا الحلّ تكراراً ولا يعنيهم أن يسمعوا.
معيب حدّ العار أن تُستجدى لقمة عيش اللبنانيين من المجتمع الدولي ويُذلّون، بعد أن دُمّرت الزراعة وتحولت الأنهار إلى سُمّ، أن يتصدق عليهم الآخرون مع أنهم يسددون كل سنة أكثر من سبعة مليارات دولار ضرائب ورسوماً لدولتهم، لا تعود عليهم إلا بالحرمان. غير مقبول أن تُهدَر خمسة ملايين دولار عند بزوغ كل فجر، وهو ما يطعم كل لبنان ويلبسه، لتأمين نصف حاجة البلاد فقط من الكهرباء، فيما تعجز الدولة عن توفير النصف الثاني، مع أن ملياراً ونصف المليار دولار كانت كافية، لو دُفِعت لمرة واحدة، لتحل الأزمة من جذورها. هذا الهدر المتواصل على الكهرباء من 25 سنة، كلف لبنان 45 مليار دولار، أي نصف دينه العام.
لا ليس لبنان بعقول أبنائه التي تنير في دول كثيرة بحاجة للاستجداء. ليس بحاجة لذل «صندوق النقد الدولي» وشروطه وإملاءاته. لبنان يحتاج إلى قيادة شجاعة وقرارات جريئة، ولمن يقول لجماعة البنوك، وهم جزء من السلطة: لقد حصدتم من الفوائد على الديون التي أقرضتموها للدولة ما لا يُعقل ولا يُصدق، وسحبتم كل قرش من جيوب الناس، وآن الأوان كي تتوقف هذه المهزلة.
هذا قرار من واجب الدولة أن تتخذه؛ أن تتوقف عن سداد الفوائد على ديونها للبنوك لثلاث سنوات على الأقل، مما يجمع لها وفراً يصل إلى 20 مليار دولار، أي أكثر مما يعد به من «سيدر»، وأسرع، وأحفظ للكرامة الوطنية. يُفترض كذلك أن يتوب البنك المركزي عن ممارسة الألعاب المالية الخطرة ذات المكاسب السهلة والمزالق القاتلة، وتذهب الحكومة لتحفيز الإنتاج، وتشغيل الإنسان، بدل الاستثمارات الافتراضية. بلد الأنهار والأمطار وخصيب الجبال والسهول لا يجوز ألا ينتج مأكله، أن يبقى يستورد حتى بذور البطاطا، ويتجاهل نصيحة أديبه الأشهر الذي نبه قبل مائة سنة إلى الويل الذي يلحق بـ«أمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع». قالها جبران من مهجره البعيد، من حرقة قلب على وطنه الغارق في فساده وطائفيته واستبداده، مطالباً برفع الصوت في وجه الظلم، عله يعود إليه حياً، لا جثة تبحث عن تراب يؤويها. وأمثال جبران في المغتربات لا يزالون من حينها ينادوننا من هناك؛ أن استيقظوا من غفلتكم التي طالت كثيراً، رأفة بنا في غربتنا الموحشة، وبكم في جحيمكم المقيم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة