تداعيات هائلة تنتظر نتائج انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبلة في المملكة المتحدة. فإن الانتصار الصريح لزمرة المحافظين التابعين لبوريس جونسون من شأنه أن يضمن التصديق على صفقة «البريكست». ومن شأن أي نتيجة أخرى أن تعصف بالمحافظين خارج الحكومة، حتى إن كانوا يمثلون حزب الأغلبية، نظراً لانعدام وجود الشركاء المحتملين في الائتلاف الحاكم.
ومع اعتبار السياق السياسي الراهن، والتدفق الانتخابي المصاحب، وتحديات قياس الرأي العام في المملكة المتحدة، (ناهيكم عن التوقعات)، فإن النتائج النهائية تبقى غير مؤكدة وغير يقينية إلى حد كبير. هذا، وقد تمكنت الأسابيع القليلة الماضية من تسوية بعض التعقيدات الكبيرة، وكنت قد كتبت بعض المقالات عنها في التحضير للتوقعات، ولكنها قد أدخلت مزيداً من التعقيدات الجديدة أيضاً.
وهناك اثنان من التعقيدات التي قد تقلصت بشكل ملحوظ. أولاً، نجح بوريس جونسون من خلال التوصل غير المتوقع إلى اتفاق «البريكست» مع الاتحاد الأوروبي في تحويل مجرى النقاش بعيداً عن مسار «البريكست من دون اتفاق»، وحزب نايجل فاراج ذي العثرات السيئة، الذي قد يقرر الآن عدم طرح مرشحين جدد في أغلب الدوائر الانتخابية التابعة له.
ثانياً، عدد النواب الحاليين المحتمل ترشيح أنفسهم مستقلين، ما قد يخلق سباقات انتخابية عصية على التنبؤ للغاية، صار أقل بكثير الآن، بعدما اتخذ عدد منهم القرار بعدم الترشح في الانتخابات مرة أخرى، مع كثيرين في معسكر المحافظين الذين أعاد بوريس جونسون اعتماد أوراقهم في الحزب مجدداً. ومن شأن ذلك أيضاً التقليل من بعض عدم اليقين بالنسبة إلى المحافظين.
لكن بطرق أخرى، صارت الصورة العامة أكثر تعقيداً عن ذي قبل؛ إذ إن الموعد النهائي لـ«البريكست»، 31 أكتوبر (تشرين الأول)، الذي حدده بوريس جونسون وتحدث عنه مراراً، قد أصبح تاريخاً الآن. ومن الواضح من استطلاعات الرأي الأخيرة أن الناخبين المؤيدين للمغادرة غير سعداء بالمرة عن هذا الأمر، لكن من غير الواضح تماماً نوع التداعيات التي قد تعقب الانتخابات المقبلة، ذلك لأن كثيراً من الناخبين المستهدفين لا يبدو أنهم يلومونه شخصياً على ذلك التراخي.
كما يعني الأمر أيضاً، أنه للمرة الأولى منذ 96 عاماً، سوف يُضطر الناخبون البريطانيون اضطراراً إلى التصويت في صناديق الاقتراع في ديسمبر المقبل. وربما يبدو ذلك من الأمور العادية بالنسبة لمن يعيشون في الولايات المتحدة، الذين اعتادوا التصويت في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفي بعض الحالات في ظل درجات حرارة فائقة الانخفاض مما هو عليه الحال في المملكة المتحدة. غير أن الناخبين البريطانيين يدلون بأصواتهم في المعتاد بين شهري أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، ولم يُطلب منهم أبداً الإدلاء بأصواتهم في أي وقت آخر من العام بشأن تصويت وطني واسع النطاق منذ عام 1974.
أي تأثير على الإقبال الانتخابي قد نتوقعه جراء ذلك؟ لا أحد يعرف على وجه التحديد. كانت أكبر نسبة مسجلة للإقبال الانتخابي في المملكة المتحدة في كل السنين خلال الانتخابات الشتوية في القرن الماضي، لكنها كانت أزمنة مختلفة للغاية عن العصر الحاضر. وقد أثبتت الأبحاث أنها قد تدفع بعض الناخبين لتجاهل الأمر برمته والمكوث في المنازل.
ومن المفهوم عقد المقارنات مع الانتخابات العامة لعام 2017، لكن أوجه التشابه أبعد ما تكون عن الدقة. حاولت تيريزا ماي، التي حازت صدارة استطلاعات الرأي بأكثر مما حازه خليفتها بوريس جونسون الآن، الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة لمحاولة الاستفادة القصوى من موقف خصومها المتدني في استطلاعات الرأي وقتذاك، وذلك بهدف الفوز بفارق مئوي ضئيل للغاية ومن دون حيازة أغلبية مقاعد البرلمان الإجمالية.
ومن المؤكد تماثل بعض الأمور. مرة أخرى، يسعى رئيس الوزراء وراء الحصول على تفويض بالمغادرة من الناخبين المنهكين، في الوقت الذي لا يكون في حاجة ملحة إليه، على الحقيقة، في حين أنه يتقدم بسهولة ويسر في استطلاعات الرأي العامة. ومن شأن الأحداث الجارية، «مثل أزمة الشتاء العالية التوقعات في دائرة الصحة الوطنية»، أن تتدخل لإلحاق الأضرار بموقف بوريس جونسون أيضاً. ولكن هناك كثيراً من الاختلافات حيال عام 2017، بخلاف الفارق الواضح للغاية بأن بوريس جونسون من المحتمل أن ينشط بصورة أفضل في الحملة الانتخابية في العاصمة لندن التي يغلب عليها طابع حزب العمال. كانت انتخابات عام 2017 غير متوقعة النتائج بصورة كبيرة. أما الانتخابات المقبلة فقد لاكتها الألسن تلو الألسن عبر الأسابيع الماضية، وحيث إن كثيراً من الناخبين سوف يكونون على دراية بالاحتمالات المتوقعة، فإن استجاباتهم الأخيرة على استطلاعات الرأي ربما تكون قد عكست ذلك بدرجة من الدرجات.
كانت استطلاعات الرأي للسيدة ماي، برغم أنها كانت كبيرة للغاية، فإنها أشارت إلى تراجع ملحوظ إلى حد ما. وكان الناخبون الذين لم يحزموا أمرهم بعد في وقت الدعوة لإجراء انتخابات عام 2017 أكثر عرضة بمقدار الضعف للتصويت لصالح حزب العمال، عام 2015، بالمقارنة مع حزب المحافظين. وفي عام 2019 الحالي، تعد ميزة حزب العمال وفق ذلك المقياس محدودة للغاية. نجحت استراتيجية حزب العمال في التودد للناخبين من معسكري «البريكست» المتناوئين في عام 2017 بصورة جيدة، عندما تحركت الحملة لتناول مختلف القضايا الأخرى ذات الأهمية. لكن يمكن أن تتعرض للمخاطر في الحملة التي تهيمن عليها تيمة «البريكست» الراهنة.
ومن المنتظر أن تتوقف الانتخابات المقبلة على ما إذا كان يمكن لحزب المحافظين الاحتفاظ بناخبين مؤيدين للمغادرة أكثر تماسكاً واتحاداً من الناخبين المؤيدين للبقاء. ومن شأن هذا بدوره أن يعتمد على مدى بروز تيمة «البريكست» أثناء الحملة الانتخابية. وتشكل السيدة جو سوينسون، زعيمة حزب الديمقراطيين الأحرار، التي قد تلغي اتفاق «البريكست» برمته في حالة فوزها غير المحتملة للغاية، تهديداً محتملاً للهيمنة الانتخابية الحديثة التي حازها حزب العمال بين شباب الناخبين وخريجي الكليات والجامعات في المملكة المتحدة.
ويرغب الناخبون البريطانيون بشدة في الحديث حول أمر آخر غير مغادرة المملكة المتحدة عضوية الاتحاد الأوروبي. لكنهم سواء صوتوا أم لم يصوتوا على قضية أخرى بخلاف «البريكست» فإنهم لا يزالون يملكون مفتاح الانتخابات المقبلة من دون منازع.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
