لبنان بين مشروعين!

لبنان بين مشروعين!

الثلاثاء - 2 صفر 1441 هـ - 01 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14917]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
المتابع للحراك الشعبي في الشارع اللبناني، لا بد أن يعرف بذكاء من يقف ضده. هو الفريق نفسه الذي خطف لبنان تحت تهديد السلاح، هو الفريق نفسه الذي بايع زعيماً غير لبناني، وأعلن ولاءه المطلق له، هو الفريق نفسه الذي وزع صوراً لشخصيات غير لبنانية وأعلاماً غير لبنانية تشاهدها فور خروجك من مطار رفيق الحريري الدولي، كأنه إيذان بموت مشروع رفيق الحريري الوطني اللاطائفي وسقوط الاستقلال اللبناني تحت هيمنة إيرانية طائفية تعيد البلاد إلى عصر جاهلي أسود.
المشهد الجديد يحمل في تفاصيله الكثير من السوداوية؛ تمزقاً وشرذمة اجتماعية، وركوداً اقتصادياً عنيفاً، وتدهوراً في قيمة العملة الوطنية، وبطالة متفشية، وتضخماً بلا تحكم، وغياباً للاستثمار، وفوضى السلاح والجريمة، وانهيار البنى التحتية.
مشروع رفيق الحريري كان الثورة الصادقة في لبنان، ثورة تعليم للجميع وانفتاح اقتصادي ولا طائفية تحت سقف مدني في دولة متصالحة مع نفسها ومع إقليمها. اغتيل الحلم الجميل مع اغتيال رفيق الحريري. لم يستطع حسن نصر الله وزمرته الإرهابية مواجهة المشروع وتقديم الحجة المقابلة فتخلص من مشروع يفضح عجزه. ولذلك ليس بغريب أن ترى وبحزن شديد تداعيات موت مشروع رفيق الحريري، وإغلاق المشاريع الإعلامية غير الطائفية (في بلد تميز وعرف عنه الطائفية) مثل صحيفة «المستقبل» وتلفزيون «المستقبل»، لتعلو بدلاً عنها أصوات بغيضة طائفية بامتياز، وفي ذلك إشارة لافتة لا يمكن إغفالها أنها دالة على التحول العميق في لبنان.
بالأمس ودع لبنان الرئيس جاك شيراك، صديقاً، وداعاً حقيقياً، رئيس فرنسا «الأم الحنون» ليحتل مكانه في المشهد السياسي المحلي علي خامنئي، مرشد إيران «زوجة الأب».
سويسرا الشرق أصبحت قم الشرق، وبدلاً من أن تكون هونغ كونغ الجديدة باتت هانوي القديمة. مشهد لبنان حزين ومؤلم. إنه الوعد الذي لم ينجز والحلم الذي لم يتحقق. لبنان محتل مجدداً. ولكن هذه المرة احتلاله أخطر وأشد. مشروع رفيق الحريري كان قوس قزح بعد ليلة رعدية ماطرة، وجاءوا بالكابوس الأسود بدلاً عنه، وشتان الفرق بينهما.
لبنان في تحدٍ وجودي حتماً هو ليس الأول في تاريخه، ولن يكون الأخير، هدد بالابتلاع من قبل من قوى مختلفة، ولكن هذه المرة تبدو المسألة مختلفة، ففيها توافق مصالح شيطاني بين أطراف خارجية وأخرى داخلية تجعل قبولاً غير مسبوق لمبدأ الغاية تبرر كل وسيلة مهما كان الثمن التراكمي لهذا. كيف تحول هذا البلد من درة المنطقة إلى سقوط مدوٍ من الفشل، من مشروع الدولة المدنية الحلم إلى رمز التعصب الطائفي.
درسنا في السابق ذات يوم التراجيديا الإغريقية وبتنا نعيش وبحزن اليوم المأساة اللبنانية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة