العاصفة اللبنانية: يوميات هويات متصدعة

العاصفة اللبنانية: يوميات هويات متصدعة

الخميس - 20 محرم 1441 هـ - 19 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14905]
كان أسبوعاً عاصفاً في لبنان. بدأ مع الكشف عن عودة العميل الإسرائيلي المُدان عامر إلياس الفاخوري بجواز سفر أميركي وردود الفعل التي أعقبت هذا الكشف. وتصاعدت حدته مع التراشق بالاتهامات والتي شارك فيها سياسيون وناشطو مواقع التواصل الاجتماعي بعد الانتقادات التي وجهتها الأسيرة المحررة سها بشارة إلى «التيار الوطني الحرّ» ورئيسه وإشارتها إلى أنه هو الطرف الذي يسهل عودة العملاء ويعرض البلاد لمزيد من الاختراق لأهداف سياسية.
قلّصت العاصفة السياسية والإعلامية، التي لم يسمع بها أحد خارج لبنان على الأرجح، الاهتمام بالعناوين السابقة عليها، مثل العقوبات الأميركية على مؤسسات وشخصيات لبنانية بتهمة التعامل مع «حزب الله»، والأزمة الاقتصادية التي لا تني تتفاقم وسط ارتباك كامل في التعامل معها ناهيك من تجاوزها. بيد أن التراجع المؤقت للهموم التقليدية في متاهة السياسات اللبنانية، كشف عمق الصدوع التي لم ينجح مرور ثلاثين عاماً على نهاية الحرب الأهلية في رأبها.
ولا يُقصد بالصدوع حالات تنافر بين فئات اجتماعية وأهلية تتبنى كل منها مواقف تتناسب مع مصالحها قبل أن تعود إلى الالتئام في سياق واحد تمليه المصلحة العليا وتوافق وطني عام على عناوين لا يطالها الانقسام السياسي ولا تُطرح أصلاً في البرامج الانتخابية للدول الديمقراطية، مثل الاستقلال وسيادة القانون وتوازن السلطات. بل إن ما يشهده لبنان من اشتباكات لفظية عنيفة، قابلة للتحول عندما تتاح الفرصة إلى مجازر وتصفيات دموية، يشي بأن الهدنة الطويلة التي أرساها اتفاق الطائف تتعرض لاهتزازات يحول دون انقلابها إلى زلازل مدمرة توازن قوى مادي وسياسي ما زال أطرافه يعون فداحة الخسارة التي يعنيها انهيار ما تبقى من دولة.
لكنه توازن أيضاً بين هويات عدة، سياسية واجتماعية وثقافية للبنان الصغير. ولفهم شراسة أنصار «التيار الوطني الحر» في هجومهم على المناضلة سها بشارة، يتعين فهم منظومة المصطلحات والشعارات التي يتكون منها عالم العونيين. فمقولة استعادة مكانة المسيحيين التي فقدوها بعد اتفاق الطائف، على سبيل المثال، تحتل مكاناً مركزياً في تصور مؤيدي التيار لخسارتهم فردوس السلطة الذي انتزعه منهم أطرف الاتفاق وخصوصاً الطائفة السنية. وليس تفصيلاً أن تتركز غالبية الهجمات الإعلامية العونية على الرموز السياسية السنية في الوقت الذي يتراجع فيه نفوذ هذه الطائفة في مؤسسات الدولة وسطوتها خارج المؤسسات. لكن الدعاية العونية تصر على أن «السنة الفاسدين» هم السبب في الإجحاف الذي نزل بالمسيحيين في أعوام الوصاية السورية. التحالف المعلن بين رئيس الوزراء (السنّي) سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحرّ الوزير جبران باسيل لا يخفف من حدة الهجوم العوني الذي يبدو كعملية تعبوية يومية لا صلة لها بواقع العلاقات السياسية.
وحملت المواقف التي أطلقها مؤيدو التيار الوطني الحر في الأيام القليلة الماضية، إحالات قوية إلى لغة السيطرة والاستعلاء التي لم تكن تقال بهذا الوضوح في ذروة الهيمنة المسيحية على الدولة قبل الحرب، من دون أن يقتنع أي من المؤيدين أن حجمهم الحقيقي يوفره لهم الاستقواء بسلاح «حزب الله» وليس أي شيء آخر. غني عن البيان أن هذه اللغة قوبلت بما يعادلها من استحضار للماضي الحربي والقتالي عند الطرف الآخر. المفارقة أن لكل من الهويات التي تعلو أصوات أتباعها صدوعها وتناقضاتها الداخلية التي تمنع تحولها إلى هوية جامعة لكل اللبنانيين.
أحداث كالاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982 وتداعياته من انقسامات عميقة بين الطوائف وتعدد السرديات التي حملت على محمل التأسيس لمظلوميات ومطالبات بالعدالة، ثم الإطاحة بحكومة ميشال عون على أيدي الجيش السوري في 1990 ونشوء سردية مسيحية مقابلة لا تقل تطلباً للعدالة، وصولاً إلى طي صفحة الحرب الأهلية طياً ملتبساً بواسطة قانون عفو مرتجل وجائر لا مكان فيه لمفهوم العدالة الانتقالية، تحولت كلها إلى عقبات أمام بناء هوية وطنية جديدة أو إحياء تلك القديمة التي لفظت أنفاسها الأخيرة مع اندلاع الحرب الأهلية في 1975.
وبينما يتراجع إدراك المسيحيين اللبنانيين المؤيدين للتيار الوطني الحر، الحزب المسيحي الأكبر، لما يجري في العالم وتضمحل صلتهم بتياراته الثقافية الكبيرة وينكفئون على ممارسة تتمثل الشعبوية الأوروبية وأعلامها مثل مارين لوبن وماتيو سالفيني وفيكتور أوروبان وتستحسنها، راحوا يفقدون الدور الذي افترضوا أنهم يؤدونه في المشرق العربي منذ أكثر من مائة سنة لمصلحة الانغماس في سياسات أقلوية يأملون بأن يستعيدوا بواسطتها زمناً ولى ولن يعود. من الناحية المقابلة، تنقسم مواقف ممثلي المسلمين تبعاً لانقسامهم المذهبي. ذاك أن «حزب الله» - الطرف الأقوى في الثنائية الشيعية - لا يمانع في ترك الحبل على غاربه لحلفائه في التيار الوطني الحر ما دام الحزب على ثقة بقدرته على ضبط التيار ضمن الخطوط التي تعني «حزب الله». ضمن هذا الإطار، نأى الحزب عن السجال الذي أطلقته عودة عامر الفاخوري فيما انحاز جزء مهم من جمهوره إلى جهة سها بشارة. لا تناقض في ذلك ما دام الحزب قادراً على الحفاظ على تحالفه السياسي (العقلاني) مع العونيين وعلى إتاحة التعبير العاطفي لجمهوره الذي لم ينس الفظائع التي ارتكبها الاحتلال وعملاؤه.
مهما يكن من أمر، فإن هذه الأحداث التي جرت على خلفية تزايد الصعوبات الاقتصادية وبداية العام الدراسي التي تشكل عبئاً كبيراً على كاهل المواطن، تعيد تظهير التعقيد الذي تدور فيه محاولات إبقاء النظام السياسي اللبناني حياً على آلات الإنعاش الاصطناعي فيما تخفت أنفاس المريض رويداً رويداً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة