سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

الأصمعي مبلبلاً

استمع إلى المقالة

شاهدت بلبلاً إلى جانب الطريق هذا الصباح. لا أدري إن كان ذلك فأل يتفاءل به، أم مجرد طائر في طريقه إلى الربيع. في أي حال، تجاوزت من زمان السن التي توكل إعلان الفصول لحركات الأجنحة ورتابة الشهور. الحياة مسألة جدية أكثر من أن تكون رفة حنين، وموعداً مع الذكريات. والجميع هنا وبالإجماع لم يعد يقرأ طالعه بأمثال الأولين. ويريدون أن يعرفوا هل هناك حرب أم ليس هناك حرب. ولتغرد البلابل ما شاءت التغريد. المغردون الجدد لا يطربون. يثيرون الذعر، والقلق، ويفرضون الخوة على الأعراس والفرح. كيف يمكن للمرء أن يغرد للموت؟ أنا أعرف أن غناء الموت نواح، ونادبات، وأودعة محزنة. ظهور الطيور مجرد زينة للأخيلة المليئة بالضجر.

كان يفترض أن تعلن إطلالة البلبل إطلالة الربيع. لكنه يتنقل حائراً كأنه يبحث معنا عن فرقة البراعم. ماذا حدث ثم ماذا. كنا ننتظر مرور البلابل لكي نردد معاً أنشودة الأصمعي الساحر: صوت صفير البلبل.

يا سيدي الأصمعي الجميل، يا بن الموصل العزيز، كيف أتاك الشعر يومها في مثل هذه الخفة، في مثل هذه الرقة، في مثل كل هذا الطرب.

وأنت يا سيد لي

وسيدي، ومولى لي

فقال لا لا لا ثم لا لا لا

وقد غدا مهرول

فولولت وولولت

ولي ولي يا ويل لي

والعود دن دندن لي

والطبل طب طبل لي

هل يلغي ظهور البلبل جميع العلاقات الأخرى؟ ألم تسمع طوال ليل أمس هدير الرعد وهدير المدافع معاً ومعهما ريح الصرصر.

كانت الناس فيما تخرج إلى الحقول ودروبها بحثاً عن شقائق النعمان، وكان ثم كان والماء والزهر معاً مع زهر لحظ المقل.