رحل موغابي وبقي الفقر

رحل موغابي وبقي الفقر

الاثنين - 10 محرم 1441 هـ - 09 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14895]
التقيت بنيلسون منديلا وجهاً لوجه. كان ذلك في مؤتمر صحافي، في غلاسكو، بأسكوتلندا. كان جالساً، أمامي، يرد على أسئلة صحافيين. لم تكن المسافة التي تفصلنا تتجاوز المترين، وكان هو، كعادته، مرتدياً قميصاً مزركشاً، حريرياً، وعيناه تدوران بين الوجوه. وكانت عيناي مسمرتين على تفاصيل وجهه وتعبيراته. لدى انفضاض المؤتمر، نهض من كرسيه، مرفوقاً بسكرتيرته، ومرافقيه، بينما بقيت أنا في مكاني، مستغرقاً في أفكاري عن رجل من لحم ودم، استطاع، عبر سنوات من الألم والمعاناة، افتكاك بلاده وشعبه من بين أنياب وحش عنصري، ووضعهما، معاً، من جديد، على خريطة العالم.

لكني لم ألتقِ روبرت موغابي رئيس زيمبابوي. ولم أكن، حقيقة، أحمل في نفسي رغبة لمقابلته، أو حتى رؤيته من بعيد، رغم ما بينهما من أرض مشتركة: كلاهما ناضل لسنوات طويلة في سبيل تحرير بلادهما من العنصرية في جنوب أفريقيا، ومن حكم الأقلية البيضاء في زيمبابوي. وكلاهما ذاق مرارة السجن، وإن بتفاوتٍ في المدة، وخرجا ليتبوآ رئاسة بلديهما.

الفرق بين الرجلين أن منديلا قبل السجن، وبعده، وخلال سنوات توليه الرئاسة وبعدها، حافظ على كرامته، وعلى شرف ماضيه النضالي، وترك السلطة طواعية. في حين أن موغابي تنكر لماضيه النضالي، وحولته السلطة إلى كائن آخر، مستبد، ومات، مؤخراً، في المنفى، عن عمر قارب المائة عام، تاركاً زيمبابوي تنوء تحت ثقل سنوات طويلة من القمع، غائصة في وحل الفساد، والفقر، والبطالة، والتضخم، والمعونات الأجنبية، بعد أن كانت توصف بسلة طعام أفريقيا. ما أوسع البون، ما أمكر الزمن، وما أفظع المأساة!!

ها هو روبرت غابرييل موغابي، أو كما أطلق عليه «التمساح العتيق»، يعود في كفن، من سنغافورة، حيث كان يعالج، ليوارى جثمانه في تراب الأرض التي كافح من أجل تحريرها، وليشيّع كفنه، إلى مثواه الأخير، الناسُ الذين انتمى لهم، وحاربَ من أجل تخليصهم من الاستعمار، وأحبوه، وناصروه، خذلهم، مختاراً الانحياز إلى السلطة، وأذاقهم الويل والفقر والذل.

لم يكن موغابي، خلال ما يقرب من العقود الأربعة التي قضاها متربعاً على السلطة مجرد رئيس عادي، منتخب، وبتاريخ نضالي مشرّف، وحنكة ودهاء، بل كان كذلك حاكماً مستبداً، من طراز مختلف. جاء إلى الدنيا فقيراً، وتولت البعثة التبشيرية اليسوعية أمر تعليمه. وحينما اعتلى تلك الدرجات التي قادته إلى حيث يريد، تحول إلى وحش كاسر، بأنياب، وأجهزة بوليسية، وسجون، وأطلق رجاله في مطاردة معارضيه، وحوّل زيمبابوي إلى إقطاعية خاصة به وبعائلته، وبطانته.

لماذا تحول المناضلون الأفارقة بعد دحرهم الاستعمار إلى مستبدين؟ وكيف تخلوا عن نبلهم، وحبهم لأوطانهم وشعوبهم، وتنكروا لنضالهم ومبادئهم، ليصيروا قتلة، وسجانين، وإقطاعيين، وأصحاب ثروات مكدسة في مصارف الغرب، ومحاطين بالأسوار، ومحروسين بالحراس، وكأنهم أنصاف آلهة؟

زيمبابوي، ليست حالة فريدة. وموغابي، في وصوله إلى السلطة، قد يكون مختلفاً عن حكام أفريقيا الآخرين، الذين جاءوها من معسكرات الجيش محمولين على دبابات، لكنه، في التصنيف النهائي، لم يكن إلا وجهاً آخر، من تلك الوجوه العديدة، التي جثمت على قلوب العباد والبلدان في أفريقيا، واعتقلت تنميتها، وأنهكتها سلباً ونهباً، وأودت بها إلى الفقر، والهلاك، وبشعوبها إلى الهجرات والمنافي.

أسئلة كثيرة في حاجة ملحة إلى إجابات. وتفاصيل كثيرة في أَمَسِّ الحاجة لمن يَفُضُّها، ويغوص في تشعباتها، لكي يكون قادراً على فهم الدوافع والأسباب التي جعلت حكام أفريقيا يحولون بلدانهم من أراض واعدة بمستقبل مزهر لأبنائها إلى ما يشبه المقابر، وأحالوا أناسها إلى مهاجرين يقطعون الصحاري المميتة، ويركبون البحار المخيفة على أمل أن يحظوا بالعيش في عالم لا يريدهم، وبلدان تغلق الأبواب في وجوههم، ولا تتردد في استغلالهم، وسرقة ثروات بلدانهم، من دون رحمة أو شفقة.

حين مات الجنرال ساني أباتشه، الذي أذاق نيجيريا وشعبها الهوان، حرص العديد من النيجيريين، لفترات طويلة، على الذهاب إلى المقبرة التي دفن فيها بغرض إنزال اللعنات عليه. فكيف يا ترى سيتصرف الزيمبابويون مع موغابي؟ هل سيخرجون من بيوتهم، ويقفون في الشوارع ليشهدوا عرض موكب جنازته الرسمي، متناسين كل سنوات الجمر التي قضوها تحت جبروته، أم سيتجاهلونه؟

لدى الاستقلال كانت بلدان أفريقيا، مقارنة ببلدان آسيا، في أوضاع أفضل اقتصادياً، فكيف انعكست الأمور، ولماذا تمكن الآسيويون من تغيير أحوال بلدانهم إلى أوضاع أفضل، في حين أن بلدان أفريقيا تقهقرت إلى ما هي عليه الآن.

في آخر أيامه في الحكم، قام موغابي بطرد نائبه من منصبه، بغرض أن يخلي الساحة أمام زوجته لخلافته. لكن السحر انقلب على الساحر، وتحرك قادة الجيش ضده، وأجبروه على مغادرة البلاد، وعاد نائبه إلى هراري، وتولى مقاليد الأمور. لكن الأمور، في الحقيقة، بقيت على حالها، إن لم تزد سوءاً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة