جلست قبل أيام أتأمل من شرفة أقدم مقهى ومتجر حلويات في زيوريخ السويسرية «spruengli»، وأتساءل: كيف استطاع ذلك السويسري أن يحول نبتة كاكاو، تًجلب من غابات غانا والإكوادور، إلى منتج وطني سويسري ما زال يحيّر أهل الصنعة نفسها حول العالم؟
فيعد كاليير «Cailler» صاحب أول علامة للشوكولاته، وتحديداً نسيبه دانيال بيتر، مديناً للعالم باكتشاف أول شوكولاته ممزوجة بالحليب في العالم، التي غيّرت مذاق الشوكولاته، ورفعت الإقبال عليها حيث كانت تقدَّم في السابق إما كمشروب ساخن أو عجينة تشبه النوتيلا «paste». ومنذ ذلك الحين ما زالت الشوكولاته بالحليب الأشهر والأكثر استهلاكاً في سويسرا بنسبة 70% وربما أكثر من ذلك في العالم. كيف لا وهي التي اكتشف العلماء أن مجرد تناولها يولّد شعوراً فورياً بالسعادة الغامرة.
الأرقام تقول إن ما تصدره سويسرا للعالم يشكل نحو ضعفَي ما تستهلكه من منتجات الكاكاو، التي ما زالوا يصرّون على عدم بيع سر صنعتها. فالسويسريون لديهم الفضل على العالم، حسب موقع قناة «history»، بأن نجحوا في عام 1876 في جعل ألواح الشوكولاته «اليابسة» التي كانت تبيعها شركة إنجليزية أكثر ليونة ولذة عند قضمها، وذلك بعد إدخال السويسريين لمستهم الإبداعية عليها.
وربما كانت الصدفة المحضة هي التي قادت دانيال بيتر إلى اكتشاف الشوكولاته بالحليب عندما تركها تُعجن أو تُخلط في عطلة نهاية الأسبوع ثم عاد ليجدها مزيجاً لذيذاً وغنياً ولامعاً من الشوكولاته طيبة الرائحة والمذاق، فذاع صيتها. غير أن الصدفة لم تكن بالتأكيد وراء ما طوّعه السويسريون في إنشاء قطاع هائل للساعات الفاخرة والدقيقة التي صارت مضرب المثل، فأمسوا يصدّرون ما قيمته نحو 20 مليار فرنك سنوياً منها. والأغرب أنهم رغم شهرتهم في منتجات الكاكاو فإن ذلك لا يشكّل سوى ثلث ما تصدره بلادهم من القهوة إلى الخارج وما دون ذلك بقليل للجبنة السويسرية.
ولم يندب السويسريون العصاميون حظهم عندما اكتشفوا أن 60% من أراضيهم تغطيها سلسلة جبال الألب الأكبر في العالم. فقد انتهوا في عام 2016 من بناء أكبر نفق من نوعه يمتد عشرات الكيلومترات. دخلتُ أحدها وكدت أختنق من طول مسير السيارات فيه. باختصار هم بنوا أنفسهم من عدم عبر شركات معظمها صغيرة ومتوسطة الحجم.
كم مليون نخلة تعجّ بها صحاري العرب ولم نسمع عن شركات مصنعية تُشتق منها منتجات تغزو أسواق العالم مثل بديل السكر، ومحليات الكعك، والمشروبات والمعصورات وغيرها؟ هناك محاولات مشكورة لكنها لا تعكس إمكانياتنا ولا تدفع الغربيين إلى التوافد لشراء منتجاتنا المبتكرة.
وأتألم حينما أجد اللغة العربية تتصدر لائحة إرشادات كاونترات استعادة الضريبة (VAT) في مطارات أوروبا باعتبارنا من أكثر المشترين في العالم لمنتجات الغرب. غير أننا لم نصل لمرحلة أن يشتري منا أحد شيئاً يشار إليه بالبنان من عرق جبينا.
متى ننافس ثمانية ملايين سويسري ونصف المليون، يتحدثون أربع لغات ويتحدرون من أكثر من أربع دول لكنهم متوحدون في وطنهم وسر صناعتهم وجودتها التي صارت مضرب المثل في أشياء كثيرة؟
11:9 دقيقه
TT
سر «الصنعة السويسرية»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
