ترمب وسياسة النفس الطويل مع تعنت إيران

ترمب وسياسة النفس الطويل مع تعنت إيران

الأحد - 3 ذو الحجة 1440 هـ - 04 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14859]
استوعب الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب من تجارب الرئيس السابق باراك أوباما الذي كانت سياسته منصبة على الداخل، والرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، وخاصة في التعامل مع الأزمات الدولية، وذلك عندما قامت أميركا في فترة الرئيس بوش الابن بشن الحرب الشاملة على أفغانستان ومن بعدها على العراق، مما سبب لأميركا الكثير من الخسائر البشرية في الجنود إضافة إلى المادية ووقعت أميركا حينذاك في مستنقعات سواء في أفغانستان أو في العراق وخلفت وراءها أزمات أخرى وأصبح دورها محل تساؤل كدولة عظمى في رأي الكثير من المحللين السياسيين.
الجديد في السياسة الخارجية الأميركية الذي جاء به الرئيس الحالي ترمب عندما جاء إلى البيت الأبيض أنه قام بتوظيف الاقتصاد في السياسة، وذلك عندما فرض العقوبات الاقتصادية الشديدة والمجدولة على النظام الإيراني والتي منع من خلالها دول العالم من شراء النفط الإيراني وصادراته، وذلك بسبب أن هذا النظام هو الذي تسبب في حدوث الكثير من الأزمات الدولية، وخاصة في الشرق الأوسط، ذلك أدى أيضاً إلى انسحاب أميركا من الاتفاق النووي بين الدول الأوروبية وأميركا من ناحية، ومع النظام الإيراني من ناحية أخرى.
يبدو من كل ذلك أن الرئيس الأميركي لديه مرونة في السياسة الخارجية والتي يمكن تسميتها بسياسة التلويح بالعصا الغليظة وسياسة حافة الهاوية، حين قام بتهديد النظام الإيراني بشن ضربات عسكرية لتأكيد سطوة أميركا كقوة أولى في العالم هدفها تأمين الرفاه والتفوق العسكري وضمان الأمن القومي الأميركي والتي تحقق من خلالها أميركا أهدافها من دون خسائر، وهذه السياسة ظهرت واضحة وجلية، ففي الوقت الذي كان يهدد فيه الرئيس الأميركي النظام الإيراني بالقيام بضربة عسكرية يصرح في اليوم الثاني بأنه قام بتأجيل القيام بهذه الضربات العسكرية، وهذا الأسلوب في حقيقته هو نوع من الحرب النفسية على النظام الإيراني تجعله في حالة رعب وخوف مما تضعفه ويقبل الانصياع لمطالب أميركا والمجتمع الدولي.
كذلك حقق الرئيس الأميركي هدفاً مهماً عندما تمكن من أن يوجد توتر في العلاقة بين دول أوروبا وإيران، وذلك عندما انسحب من الاتفاق النووي واستدرج النظام الإيراني أن يعيد النظر في سياساته، بيد أن هذا النظام تخبط في قراراته، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي، مما جعل استمرار هذا الاتفاق محل شك، ومما زاد الموقف تعقيداً قيام النظام الإيراني بضرب ناقلات النفط في مياه الخليج العربي ووصل به الحد إلى احتجاز ناقلة النفط البريطانية، وزاد ذلك من توتر الوضع المتعلق بحرية السفن بالمرور في الممرات الدولية، وذلك ما أطلق عليه حرب الناقلات في مضيق هرمز وباب المندب، وكان لمجيء رئيس جديد للوزراء في بريطانيا وهو بوريس جونسون حدوث تغير في السياسة البريطانية، حيث سلك سياسة متشددة، وهي الضغط على إيران وأخذ يقترب في سياسته هذه من الموقف الأميركي، ونتج عن ذلك امتلاء مياه الخليج العربي بالبوارج والسفن الحربية والطائرات الأميركية والبريطانية، وأدى هذا التصعيد في الأزمة مع إيران لدعوة الرئيس ترمب إلى إقامة حلف دولي لحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز وباب المندب، وبالفعل شارك رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الرأي مع دونالد ترمب وساندت فرنسا وألمانيا هذا التحالف، وكذلك انضمت كوريا الجنوبية واليابان إلى هذا الحلف. من جهتها لم يصدر عن دول المنطقة مثل السعودية والبحرين والكويت، أي ممانعة لهذا الحلف، وذلك ما يهدد بقيام حرب شاملة في المنطقة وأصبح هذا الخطر قريباً من التحقق رغم أن أميركا وأوروبا ودول المنطقة لم ترغب في قيام هذه الحرب الشاملة.
النظام الإيراني كعادته استمر في هذا التصعيد حتى لا يظهر أمام شعبه بأنه ضعيف، وخاصة أن الشعب الإيراني أخذ يستاء من هذه السياسة الخارجية التي انعكست عليه وجعلته هو ضحية هذه السياسة، ولذا بتقديري سوف يستمر النظام الإيراني في هذا التصعيد في هذه الأزمة، ولكنه في النهاية سوف يقبل بالحل الدبلوماسي لأنه يعرف أنه لا يستطيع مواجهة أميركا والعالم ولكن بعد ماذا، بعد «أن سبق السيف العزل»؟
يجب كذلك ألا ننسى جبل الجليد الذي أوجدته إيران في علاقاتها الخارجية مع العديد من الدول، وخاصة دول المنطقة حيث لا يمكن فصلها عن قضية الاتفاق النووي مع دول الغرب وأميركا، ولذا طالب الرئيس ترمب النظام الإيراني بتعديل سلوكه مع الآخرين، ويقصد بهم دول المنطقة، حيث إن النظام الإيراني كما هو معروف له أذرع في كثير من الدول ويتدخل في شؤونها الداخلية ويدعم الجماعات الإرهابية فيها، ولذلك عليه أن يعمل على إذابة جبل الجليد هذا ويتخلى عن سياساته، وإلا لا حل مع هذا النظام حتى ولو رجع إلى الالتزام بالاتفاق النووي والذي فيه كذلك تهديد لإسرائيل كما ترى أميركا.
العلاقات الدولية اليوم أصبحت تعتمد على تبادل المصالح واحترام القوانين الدولية، كل هذه القضايا وغيرها جعلت النظام الإيراني منبوذاً من المجتمع الدولي، وعليه أن يتخلى عن هذه السياسات التي تضع علاقاته مع الكثير من الدول على كف عفريت، وإلا سوف ينقلب السحر على الساحر في يومٍ ما.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة