خالد شيخ محمد... والصفقة الزائفة

خالد شيخ محمد... والصفقة الزائفة

السبت - 2 ذو الحجة 1440 هـ - 03 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14858]
إميل أمين
- كاتب مصري
هل هو فصل قطري جديد من فصول تحريف الحقائق وربما تجريفها، ذاك الذي بدأت إرهاصاته عبر سطور صحيفة «وول ستريت جورنال» والموصول باستعداد خالد شيخ محمد، لعقد صفقة ما مع النظام القضائي الأميركي للفكاك من الحبل الذي يطوق رقبته، ويكاد يذهب به إلى الجلاد، والمقابل تقديم شهادة منحولة ضد المملكة العربية السعودية، تفيد عائلات ضحايا الهجمات الإرهابية التي جرت بها المقادير في نيويورك وواشنطن، عام 2001.. ما يمكننا أن نطلق عليه «أيلول الأكثر سواداً»؟
لم يرتبط خالد شيخ محمد في مسيرته بالمرة بالمملكة ولا بأراضيها أو منتسبيها، بل كان حضوره الإرهابي أبداً ودوماً موصولاً بقطر والدوحة تحديداً...
قبل نحو ثلاثة عقود وفي أوائل تسعينات القرن المنصرم، كانت العاصمة القطرية الدوحة تفتح أبوابها وأذرعها لاستقبال عدد وافر من كبار الإرهابيين المطلوبين دولياً، لا سيما أولئك الذين تمكنوا من مغادرة الفلبين بعد القبض على عدد من أعوانهم، وقد كان في مقدمة هؤلاء خالد شيخ محمد، الرجل الذي وصفه ريتشارد كلارك المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب، في إدارتي الرئيسين الأميركيين بيل كلينتون وجورج بوش، بأنه «قاتل متسلسل وإرهابي، والزعيم الحقيقي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر».
لم يغب خالد شيخ محمد عن أعين أجهزة الأمن الأميركية، الاستخبارات المركزية في الخارج ومكتب التحقيقات الاتحادية في الداخل، وبدا من الواضح أنه يمتلك قدرات إرهابية استثنائية، ولاحقاً تكشف للأميركيين أن السنوات الأربع التي قضاها في ولاية كارولاينا الشمالية للحصول على درجة البكالوريوس، لم تكن إلا ضرباً من ضروب التفكير الشرير الاستشرافي المسبق لعملياته الإرهابية، وهناك أدلة قاطعة على أن الرجل لعب دوراً مأساوياً في الهجوم الأولي على أبراج التجارة العالمية العام 1993، ذلك الهدف الذي ظل واضحاً في عينيه حتى العودة المريرة ثانية بعد بضع سنوات.
في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين نمى إلى علم لويس فرييه مدير مكتب التحقيقات الاتحادية أن خالد شيخ محمد يعيش على الأراضي القطرية وفي حماية النظام القطري نفسه، وعليه فقد سارع فرييه إلى التواصل مع السلطات القطرية، وبنوع خاص مع وزير الخارجية القطري وقتها مبارك بن علي الخاطر، طالباً إليه تسليم عضو «القاعدة» إلى السلطات الأميركية، تنفيذاً لما يقتضيه القانون الدولي، والاتفاقيات الموقعة بين واشنطن والدوحة.
وبحلول العام 1996 كانت هناك مذكرة توقيف بحقه، وعُدَّ هدفاً عالي الأولوية، وصيداً مطلوباً لكافة الأجهزة الاستخبارية الأميركية ما ظهر منها وما بطن.
لم تكتف قطر باستضافة خالد شيخ محمد لكنها وفرت له فرصة عمل في قطاعها الحكومي «الأشغال العامة للمياه»، متجاهلة أي طلبات أميركية لتسليمه، بل إنها قابلت الطلب الأميركي بعبارة «الشخص المرغوب غير موجود على الأراضي القطرية»، وفيما كان فريق من مكتب التحقيقات الفيدرالية ينتظر في أحد الفنادق القطرية تسلم الرجل الثالث في تنظيم «القاعدة»، كانت السلطات القطرية تقوم بتهريبه خارج البلاد، إلى أفغانستان في غالب الأمر، حيث بقية تنظيم «القاعدة».
السؤال المثير أين كانت قطر تخفي شيخ محمد بعدما علمت السلطات الأميركية بوجوده على أراضيها؟
الجواب في مزرعة خاصة يمتلكها وزير الداخلية القطري وقتها عبد الله بن خالد، والمعروف بأنه أحد كبار المؤدلجين قاعدياً، والداعم للتنظيمات الإرهابية.
هذا الوزير معروف عنه أنه سبق له والتقى أسامة بن لادن في العاشر من أغسطس (آب) من عام 1996 إبان إقامته في السودان.
فكر الأميركيون بعزم وحزم أن يقوموا بإنزال عسكري يشبه عملية نورماندي من أجل القبض على خالد شيخ محمد داخل قطر، غير أن الفكرة تم استبعادها، لاحقاً جرت محاولات الطلب إلى أمير قطر مباشرة من أجل احتجاز الإرهابي المشتبه فيه، غير أن الصيد الثمين كان قد طار خارج حاضنة الإرهاب التي تؤويه.
كانت قطر في ذلك الوقت تدعم وتساند تنظيم «القاعدة» بشكل رسمي، فيما كانت أدواتها الإعلامية لا سيما قناة «الجزيرة»، همزة الوصل بين بن لادن وبين العالم الخارجي، فعبرها تجري اللقاءات المتلفزة، ومن خلالها ترسل «القاعدة» برسائلها المشفرة لأتباعها وبهدف القيام بعملياتهم الإرهابية حول العالم.
السؤال الذي بات مطروحاً اليوم ونحن على مقربة من ثمانية عشر عاماً على ذلك الحادث الإرهابي الأبشع في القرن العشرين: ماذا لو أوقف القطريون خالد شيخ محمد في العام 1996؟ وهل كان لمسار الأحداث الدولية أن يتغير، وأن يتجنب العالم هول الأبراج المحترقة، وآلاف الضحايا الأبرياء الذين لقوا حتفهم نهار الثلاثاء المشؤوم؟
الجواب في واقع الأمر معقود بناصية قطر والقطريين، وليس لدى المملكة العربية السعودية، ولهذا فإن أحاديث الصفقة الزائفة، لن تعدو بحال من الأحوال العرض الإعلامي الفاقع والزاعق، ومن دون أي أسس حقيقية على الأرض في الماضي أو الحاضر.
أما علامة الاستفهام الأكثر إثارة للجدل، فتتصل بالتوقيت، أي أنه إذا كان لدى شيخ محمد ما يفيد التحقيقات، قرابة عقدين من الزمن فلماذا لم يفكر في إنقاذ رأسه من قبل؟
الخلاصة.. الصفقات الزائفة لا تفيد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة