«كايسيد»... الدين معراجاً للإنسانية المتراحمة

«كايسيد»... الدين معراجاً للإنسانية المتراحمة

السبت - 17 ذو القعدة 1440 هـ - 20 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14844]
إميل أمين
- كاتب مصري
ما الذي يجعل عالمنا يدرك نجاحاً كبيراً في سعيه الدؤوب للاقتراب من أسوار «المدينة الفاضلة»، على أمل أن يدلف إلى عمقها عما قريب، ورغم علامات الإحباط والتشاؤم البادية في الأرجاء؟
أمران مؤكدان، متصلان لا ينفصلان، أديان تعزز من كرامة وحرية الفرد الإنساني، باعتباره حجر الزاوية الرئيسي في بناء حضارة المودات واللقاء، لا مجتمعات الفراق والجفاء، وتنمية حقيقية مستدامة تؤمن بحق الآخر المختلف في فرص حياة كريمة، من خلال عمل جيد، وتعليم متميز، وصحّة بنّاءة، ومساواة في الفرص، ومواطنة من دون تمييز.
الرؤية اليوتوبية المتقدمة كانت محور مناقشات المؤتمر الذي نظمه المجلس الاستشاري لوكالات الأمم المتحدة حول الدين والتنمية في نيويورك، نهار الخامس عشر من يوليو (تموز) الحالي، ودار البحث المعمَّق حول دور الشراكات بين أتباع الأديان في خلق مجتمعات متعايشة، تسامحية وتصالحية، ترسخ المساواة وتشيع السلام والمودات، تتطلع إلى عالم أكثر إنسانوية، وفي رحابه من المعرفة البناءة.
على رأس المشاركين في المؤتمر جاء مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، الذي مثّله الأمين العام فيصل بن معمر.
بدا المؤتمر وكأنه قولاً وفعلاً تجمّع إنساني عالي المستوى يدرك أبعاد الأزمات الإنسانية المعاصرة، كالشعبويات الصارخة، والقوميات الزاعقة، ناهيك بالأصوليات واليمينيات الدينية، غير المؤمنة بفكر الشراكة الخلاقة أو التعايش الواحد، التي لا تعرف سوى دروب العزل والإقصاء، طريقاً ومنهاجاً، في زمن انتكاسة العولمة الإنسانية، إن جاز التعبير.
خمس وأربعون منظمة من منظمات القيم الدينية والإنسانية، حكومية وأهلية، ومديرو معاهد التربية التابعة لليونيسكو، وسفراء عدد من الدول العربية والأوروبية، وفي المقدمة منها المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى عدد كبير من القيادات الفكرية والدينية من حول العالم، تنادوا جميعهم للبحث في آفاق الأديان والإنسان، والتنمية فيما بينهم.
تعود المملكة من جديد لتأخذ الموقع والموضع التقدمي الذي تستحقه من خلال مشاركة الدكتورة ثريا عبيد، عضو مجلس الشورى السابقة المديرة التنفيذية السابقة لصندوق الأمم المتحدة للسكان، في أعمال المؤتمر، وقد كان لكلمتها التي استعرضت فيها تجربتها المحلية والعالمية، ورحلة عطائها في مسيرة العمل الجاد والمثمر في بلادها، كأول شخصية نسائية سعودية وعربية مؤثرة دولياً ترأس وكالة تابعة للأمم المتحدة، صدى طيب وإيجابي لدى المستمعين من الأجناس والأعراق كافة.
المملكة الحاضرة في شخص الأمين العام فيصل بن معمر، كانت تؤكد، وفي الكلمة التي ألقاها، الأهمية الكبرى لمثل ذلك المجلس الاستشاري الرائد، في تهيئة الأجواء للتواصل بين الأفراد والقيادات والمؤسسات المتنوعة، تلك التي تحمل لواء وشعار القيم الدينية والإنسانية، وبين صانعي السياسات في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتنوعة لتحقيق آمال المنظمات العالمية وطموحاتها في مناقشة القضايا الملحّة، وتقديم الاقتراحات والمبادرات المناسبة، لتكون عوناً لمنظمات الأمم المتحدة، وهي ترسم ملامح وخطط قضايا 2030 الملحة.
كان «كايسيد» ولا يزال تقدمياً وإنسانياً في برامجه وأهدافه، لا سيما بما ضمَّنه كل أعماله من الحقوق الأساسية للإنسان، وفي كل حواراته ومبادراته كان مركز الملك عبد العزيز العالمي ساعياً لجعل العيش المشترك بين أتباع الأديان حقيقة فاعلة وناجزة، على الأرض، وفي مقدم تلك الحقوق الحق في الحياة بما تحمله الكلمة من مترادفات لفكر استخلاف الخالق للإنسان على المعمورة.
مَن له المقدرة على تكوين قواعد مشتركة لصناعة السلام والعيش في ظل المواطنة؟
حكماً تبقى القيادات والمؤسسات الدينية هي الرائدة والسباقة في هذا الإطار، أولئك الذين وصفهم فيصل بن معمر بالمتدينين الحقيقيين، الذين يستلهمون من الدين معراجاً يسمون به إلى قمة الإنسانية المتراحمة.
لقاء نيويورك، وكما يؤكد الأمين العام لـ«كايسيد»، يعني أننا بحاجة إلى إيجاد وسائل أكثر نجاعة لتأسيس قناعات راسخة لدى صانعي السياسات حيال إرساء أرضية مشتركة معهم.
تبقى الأديان مشاعل وقناديل تنير الطريق للبشرية، مهما اختلفت وتعددت، وتظل القيم الإيمانية والروحية لأكثر من 80 في المائة من سكان المعمورة، إحدى أهم السبل الرئيسية والمهمة للحيلولة دون الانزلاق في بؤر الصراع، وحفائر الكراهية. كانت الأديان، وستبقى على الدوام، عامل تعاون وتكامل وأمن واستقرار في المجتمعات متعددة المذاهب والطوائف، التي تكثر فيها الثقافات.
علمتنا التجربة التاريخية أن التنوع ثراء وإثراء، وأن الأحادية الذهنية لم تجرّ على العالم إلا الوبال، وتجارب الأمم الغابرة التي تناحرت من جراء التشارع والتصارع المذهبي، تعلّمنا الحاجة الماسة لترسيخ ثقافة التعدد الديني والثقافي على المستويات كافة، والتواصل بين الحقوق والقيم العالمية، والتنمية البشرية، والتعاون مع أصحاب القرار السياسي، ومن أجل تنمية مستدامة وإنسان حر كريم مبدع خلاق.
بناء السلام في مجتمعاتنا المعاصرة، والحديث لرجل «كايسيد»، ينبع من الأدوار الأصيلة للأفراد والقيادات في المؤسسات الدينية؛ لأولئك الساعين للقفز على الانقسامات المجتمعية والعرقية، النشطاء في حواضنهم المحلية، الضامنين بالتزامهم وأمانتهم لكل ما هو حق ومقدس، عادل ونزيه، مستقر ومستمر.
يقول الصينيون: «إذا كان المثل يؤثر فالعمل يجذب»، والشاهد أن التجارب الحياتية، الحوارية والجوارية الناجحة لـ«كايسيد» في أوروبا والشرق الأوسط، في ميانمار الآسيوية، ونيجيريا الأفريقية، التي عُرِضت على المشاركين في المؤتمر، أكدت وبما لا يدع أي مجال للشك، صدق «رؤية المملكة 2030»، المنفتحة على العالم والقابلة للآخر، والساعية في معارج الفضيلة الإنسانية... المملكة المؤمنة بأنه لا مجال للنجاة الفردية، وأن سفينة البشرية تحتاج لفريق يجدف معاً ناحية بر الأمان الاقتصادي والإنساني.
يبقى مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز قيمة مضافة، ضمن مصفوفة لآلئ البشرية الأخلاقية، العاصمة من رياح التعصب وعواصف التمذهب، اليوم وغداً، وإلى أن يشاء الله.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة