ثورة ألوان اقتصادية

ثورة ألوان اقتصادية

الثلاثاء - 14 ذو القعدة 1440 هـ - 16 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14840]
داود الفرحان
كاتب عراقي
زمان، في سنوات الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على العراق في التسعينات من القرن الماضي، كنا نعتبر هبوط طائرة مصرية في مطار صدام الدولي تقلّ عشرات الفنانين والأدباء والصحافيين المصريين انتصاراً للسلام على دعاة الحرب. قالت الفنانة المصرية الكبيرة سهير البابلي وهي تدخل بوابة مطار بغداد: نحن دعاة سلام لا دعاة حرب.
اليوم، يعتبر النظام الإيراني وميليشياته في العراق وسوريا واليمن ولبنان إطلاق الصواريخ الإيرانية الصنع على المطارات المدنية والمدن الآمنة هنا أو هناك والسفن التجارية في الخليج العربي دعوة إيرانية للسلام! إنه التفسير الأسود للسلام كما يتبناه نظام الملالي الجهلة. فالحرب والسلام، كما قال تولستوي في رائعته بالاسم نفسه، لهما ألوان تتباين بين الغامق والفاتح مثلما نرى في قوس القزح.
كان الاقتصادي البريطاني الشهير آدم سميث تبنى لوناً واحداً للاقتصاد، وهو في هذا مثل أي نظام مستبد لا يرى في المرآة إلا نفسه. تغيرت اليوم نظرات الاقتصاديين إلى الاقتصاد؛ فهو لم يعد سوقاً للبيع والشراء فقط، لكنه ثقافة الأخذ والعطاء. أميركا مثلاً تريد حماية صناعاتها من الضرائب الأجنبية. والدول الأخرى مثل الصين وروسيا وحتى أوروبا تسعى إلى حماية صناعاتها أيضاً من الضرائب الأميركية. والحل؟ الحل في ألوان قوس القزح. فـَكـِرّ في مصالحي لأحمي مصالحك. ليس الأمر كله أسود ولا كله أبيض. تعلمنا في مادة الرسم أن اللون الأسود درجات مثل أي لون آخر. الأمر لا يحتاج إلى شرح وتفصيل كما يفعلون في نشرات الأخبار.
اكتشف الخبراء أن مشاكل الاقتصاد لا تنتهي. بعضها مشاكل بيضاء أي طبيعية ويمكن التغلب عليها. وبعضها الآخر رمادي أي يحتاج إلى وقت ليس قصيراً ولا طويلاً. لكن الكوارث الكبرى التي ليس لها حلول آنية هي تلك التي تعصف بركائز الاقتصاد كالحروب والزلازل وتسونامي وانهيار العملة وسقوط البورصة والكساد العام وانفجار الديون وعدم قدرة البنوك على تسديد التزاماتها. ويصف الخبراء هذا النوع من الكوارث بالأسود. وبين اللون الأبيض والرمادي والأسود ضاع النجم عادل إمام في مسرحية «شاهد ما شافش حاجة» بعد اتهامه بجريمة قتل. وأعلنها صريحة واضحة أنه لا يحب اللون الرمادي: يا أبيض يا أسود!
في السنوات الأخيرة وجد خبراء الاقتصاد والكوارث ألواناً أخرى اشتقت أوصافها من قوس القزح الجميلة ذات الألوان السبعة التي نشاهدها بعد سقوط الأمطار. في الواقع أنها «ثورة ألوان» اقتصادية دلالاتها أكثر دقة وتحديداً من اللونين اللذين يفضلهما عادل إمام. فالاقتصاد الأسود، ليس شرطاً أن يكون اقتصاد كوارث. فهو في التوصيف الحديث اقتصاد تحت الأرض. ويشمل الفساد المالي والسرقة وبيع الأعضاء البشرية وتجارة المخدرات والرقيق الأبيض والسلاح وخطف الأطفال والجريمة المنظمة ومرتزقة الاغتيالات.
وبعكس جرائم الاقتصاد الأسود، فإن الاقتصاد (الأبيض) هو ذلك القائم على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الإلكترونية الحديثة وتطبيقاتها وخاصة في مجالات الأسهم والبورصة والأوراق المالية. واستمد الاقتصاد (الأخضر) لونه من البيئة الأرضية، فهو يعتمد على الموارد الطبيعية، وخاصة الزراعة، إنتاجاً واستهلاكاً. بينما استمد الاقتصاد (البُنّي) لونه من تركيزه على الصناعات التي توصف بـ«القذرة» وهي تلك التي تؤذي البيئة بالسموم وتجريف الغابات وتُفسد التربة والمياه الجارية والهواء مثل صناعات الفحم الحجري ومخلفات عوادم السيارات وصناعات الحديد والإسمنت والخردة (السكراب).
نصل إلى اللون (الأزرق) وله تفسيران؛ القديم يصفه بأنه اقتصاد يعتمد على تدوير القمامة وتوليد الكهرباء وتنقية المياه وإعادة إنتاج وتصنيع مخلفات المعادن. أما المعنى الجديد لهذا اللون، وهو الأصح والأدق، فيعتمد على اقتصاد البحار والأنهار من ثروات نفطية وغازية وسمكية واستغلال السواحل والنقل البحري والنهري وسياحة الجزر بالإضافة إلى ثروات القطبين الشمالي والجنوبي.
أما اللون (الأحمر) فليست له علاقة بالهلال الأحمر، لكنه خاص بالاقتصاد الشيوعي الاشتراكي المركزي حيث تسيطر الحكومة على وسائل الإنتاج والتوزيع من «الطرشي» إلى «الليفة»!
لكن اللون الرمادي، الذي لا يحبه عادل إمام كما أشرنا، فهو يشير إلى الاقتصاد غير الرسمي، وليس بالضرورة أن يكون غير مشروع، لكنه يعمل خارج قوانين الضرائب والعمل، وأبرز مثال على ذلك، وأبسطه، الباعة الجائلون وورشات المنازل النسائية والرجالية، وتختلف في هذه الحالة مستويات رؤوس الأموال المستثمرة.
واللون الثامن الأخير هو اللون البنفسجي، وهو إضافة مستحدثة لألوان الاقتصاد العالمي. ويعني الجانب الثقافي للاقتصاد، والتكيف مع التنوع الإنساني في نطاق العولمة الثقافية. بمعنى آخر، إنه «يُثمّن» كل السلع والخدمات مهما كانت قطاعاتها استناداً إلى بعدها الثقافي، أي أنه يختلف عن اقتصاد الثقافة والفنون والسياحة والترفيه الذي يرتكز على تقسيم القطاعات. ربما كانت فرنسا وراء استحداث هذا اللون الاقتصادي الذي ينسجم مع الطابع الثقافي والفني الفرنسي الكلاسيكي، ولذلك فمن المنظمات النشطة في هذا اللون اليونيسكو واليونيسيف ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي والمنظمة الدولية للفرنكفونية وبعض الوزارات الفرنسية ذات الصلة ومنظمات مدنية. وقدم الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي دعماً ورعاية خاصين لهذا اللون الذي يعتبر ملكية عالمية مشتركة.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن القرن الحادي والعشرين بدأ بتغييرات جذرية تعتمد «اقتصاد المعرفة» أي أن مجتمعات المستقبل تـُعنى برأس المال البشري، ليس عودة إلى رائد الفكر الشيوعي كارل ماركس، ولكن باعتماد المعرفة الفنية والإبداع والذكاء والمعلومات والابتكار وبرامج «التعلم مدى الحياة»... من المهد إلى اللحد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة