ليبيا... أطماع وأوجاع

ليبيا... أطماع وأوجاع

الثلاثاء - 7 ذو القعدة 1440 هـ - 09 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14833]
يوسف الديني
كاتب سعودي
ليبيا اليوم واحدة من أكثر مناطق الصراع في العالم استقطاباً على كل المستويات، أطماع الأوروبيين، فرنسا وإيطاليا بشكل خاص، وخلافهم حول الانحياز باتجاه أحد طرفي النزاع لضمان الكعكة النفطية، والمصالح، من خلال ترقب تحول الأحداث على الأرض.
يأتي هذا بينما يتجرع الليبيون أوجاعهم التي تزداد كل يوم، ليس فقط بفعل الانقسام الدولي حول بلدهم، وإنما في تحيّز حتى المؤسسات الدولية، ومن بينها الأمم المتحدة التي فشلت تماماً في اتخاذ موقف واضح، بسبب التباس الحالة الليبية بين حكومة شكلانية غارقة في رعاية الميليشيات، والاستقواء بها على الأرض ورفع شعار المظلومية على شاشات الإعلام ويافطة «الشرعية»، والتحالف مع أنظمة تقويض الاستقرار من تركيا إلى قطر اللتين تلعبان أدواراً تبادلية في تأزيم الحالة الليبية، ودعم الميليشيات بالسلاح الحربي والإعلامي على مرآى من العالم كله، في استغلال للوضعية التي آلت إليها المؤسسات الدولية والدول الكبرى التي تورطت في الشأن الليبي، ثم هربت فراراً من جحيم ما يحدث على الأرض، دون أن تنبس بكلمة عن تلك الجريمة التي ارتكبها «حلف الناتو» في هذا البلد الغني بسكانه المتجانسين على المستوى الديني والثقافي، والمنقسمين بشكل حاد على المستوى الآيديولوجي، بعد سيطرة الإسلام السياسي وأحزابه السياسية ما بعد مرحلة القذافي، تلك السيطرة هي مقدمة متكررة منذ «الربيع العربي»، لأن تكون البوابة الخلفية لصعود الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وتدخلات الدول التي ترعى خطاباتها، وإن كانت تتنصل من تبعات ذلك على المستوى الدبلوماسي عادة، لكنها في الشأن الليبي خرجت عن ذلك التنصل، ليطلق إردوغان تهديدات مباشرة رداً على انكشاف الدعم التركي - القطري لاستدامة العسكرة هناك، وهو ما يعني أن ورقة بقاء الفوضى في ليبيا هي أفضل تهديد لدول المنطقة؛ مصر ودول شمال أفريقيا، بعد أن فقد الإسلام السياسي فرصة إنعاشه وانبعاثه في تلك المناطق، وإن بمستويات متباينة.
العام الفائت كشف تقرير «معهد واشنطن» المختص بشؤون الشرق الأوسط، عن عدد المقاتلين الأجانب الذين يوجدون في ليبيا، إذ بيَّن أن عدد المقاتلين الذين دخلوا إلى ليبيا خلال السنوات السبع الماضية يتراوح ما بين 2600 - 3500 مقاتل أجنبي يمثلون أكثر من 41 دولة، إلا أن الوضع اليوم يتفاقم في تدفق العديد من المقاتلين من مناطق التوتر في سوريا والعراق عبر تركيا إلى ليبيا، قبل أن يطلق تنظيم «داعش»، الذي غاب عن شباك تذاكر كوارث المنطقة وشاشات التلفزة، تسجيل مصوراً يستعرض فيه تدريبات كوادره في منطقة صحراوية بجنوب ليبيا، ويعلن المقاتلون الجدد تجديد بيعتهم للخليفة المزعوم أبي بكر البغدادي، في محاولة لفك الحصار عن الميليشيات المحلية المقاتلة، وهي بالعشرات، وسلطتها تتجاوز سلطة حكومة الوفاق إلى الحد الذي يجعلها لا تثق بها، وتقوم باعتقال عناصر الجيش الليبي، والسطو على البنوك وإمدادات النفط، في محاولة لبناء اقتصاديات الميليشيا للبقاء طويلاً، وما قصة استهداف مراكز إيواء المهاجرين التي أقضت مضاجع المجتمع الدولي غير المكترث بأوجاع الليبيين أنفسهم، إلا أحد المؤشرات على حالة الارتباك والتناقض في التعاطي مع الحالة الليبية، لا سيما أن تدفق المهاجرين إلى ليبيا بات اليوم يخدم تلك الميليشيات، التي تتاجر في التهريب، وتستخدم هؤلاء المحاصرين بين ألسنة نار العنف المسلح في الخدمات اللوجستية، وتحويل عدد من المراكز إلى ورش للتسليح.
ما يحدث في ليبيا الآن لم يعرفه بلد عربي من قبل، ليس لحساب أعداد الضحايا، وحجم الفوضى، بل لحالة السيولة السياسية، حتى بات من الصعب التمييز من ضد من؟ حظر جوي وحالة طوارئ وميليشيات مناطقية موزعة على مدن حساسة، في مقابل محاولات انقلاب وانقلاب على الانقلاب، وأجواء من التطرف المسلح المجاني لصالح المزيد من الفوضى، التي من المرجح أن تزداد متى ما دخلت الأطراف الخارجية على الخط.
الحرب على شرعية «الديمقراطية» بالميليشيات والسلاح حدث جديد وامتياز عربي ما بعد «الربيع». لك أن تتخيل حجم الدهشة، وأنا أتابع بيانات القوى الفاعلة على الأرض تجاه ما يحدث، حيث كتائب، كـ«القعقاع» والقوات الخاصة، تقول إنها الممثل الشرعي للديمقراطية والوطنية الليبية، بينما خرج قادة مرحلة الجهاد الأفغاني، وقد كان لليبيين دور بارز فيها، من صمتهم، ليعلنوا بعث «الجماعة الإسلامية المقاتلة» من جديد.
بعيداً عن الانقلاب، أو ضبط ما يجري، أو تصحيح لثورة غاب أبناؤها مبكراً تاركين المشهد لشياطينها، فإن المقلق هو اعتبار فرض القوة بالسلاح جزءاً من رعاية العملية الديمقراطية، كما هو الحال، أيضاً، في تبرير عمليات الاغتيال، وفرض الرأي بقوة السلاح، بدوافع تقترب من الشخصية، فهو أمر ينبئ عن واقع جديد قد نشهده في مواقع أخرى، هذا الواقع هو تحول المكونات السياسية السلمية إلى مشرِّعة وممارِسة للعمل العنفي المسلح، أو متحالِفة مع ميليشيات لها تاريخ طويل في هذا السياق.
التنصل من الفوضى التي تسبب بها «الربيع العربي»، وحتى الكوارث السياسية في التغيير القسري للأنظمة السياسية، هو مفتاح فهم ما يجري في كثير من المواقع اليوم، السكوت على جرائم ميليشيا الحوثي الإرهابية لا يختلف عن حالة الابتهاج بمصالحة «طالبان»، برعاية قطرية، لتمهيد انسحاب القوات الأميركية وترك أفغانستان مجدداً لحالة الفراغ ودوامة العسكرة القبائلية والميليشيوية، وهو الحال ذاته في التخلي عن الحالة السورية، ومن هنا يجب أن ندرك ثمن «فضيلة الاستقرار» التي تقاتل دول الخليج والاعتدال العربي، على رأسها مصر، لتكريسها في المنطقة، وبذل العديد من التضحيات، في مقدمتها الاستهداف اليومي من حلف دعم الميليشيات وتقويض استقرار الأوطان، وبمباركة من المنظمات الحقوقية التي تتذرع بقيم إنسانية، لكن ممارساتها وتحيّزها كشف الكثير من زيف تلك الشعارات.
ذات مرة قال الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم، المتحدر من أسرة بورجوازية، «المعدمون لا يملكون فضيلة ارتكاب المبادئ»، وتلك قصة أخرى ذات صلة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة