فرضيات خطة السلام الجديدة

فرضيات خطة السلام الجديدة

الخميس - 23 شوال 1440 هـ - 27 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14821]
لنتخيّل، كمقدمة للنقاش، أن الجوانب الاقتصادية التي كُشف النقاب عنها لما باتت تُعرف بـ«صفقة القرن» أو «فرصة القرن» حسب تسمية المستشار الرئاسي الأميركي جاريد كوشنر، قد أقلعت ووجدت طريقها إلى التنفيذ. ولنؤجل نقاش الأرقام والمبالغ المالية المقترحة مفترضين أنها كافية لإيجاد فرص عمل وتحريك عجلة التنمية وتحديث البنى التحتية وغير ذلك مما طرحته الخطة من مهمات على أطراف الصراع العربي - الإسرائيلي.
ولنسلم جدلاً، مع كوشنر، بأن «التوافق حول مسار اقتصادي شرط مسبق ضروري لحل المسائل السياسية التي لم يتم إيجاد حل لها من قبل»، وأن هذه الرؤية قد اعتُمدت وبدأ العمل بها واقتنع الجميع بمقولة إن «النمو الاقتصادي والازدهار للشعب الفلسطيني غير ممكنين من دون حل سياسي دائم وعادل للنزاع، يضمن أمن إسرائيل ويحترم كرامة الشعب الفلسطيني» حسب كوشنر أيضاً، وأن هذا الحل الدائم والعادل قد أُرجئ إلى ما بعد جني نتائج المسار الاقتصادي.
كل هذه المقدمات والافتراضات تنحّي ليس المضمون السياسي ناهيك بالأخلاقي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وحسب، بل أيضاً تضرب صفحاً عن تشابك القضية الفلسطينية مع منظومة المبررات التي يقوم عليها العديد من الأنظمة العربية حتى اليوم، من جهة ومع ارتباط قضايا اللاجئين ومصائرهم بصميم بنية الدولة الاجتماعية والسكانية والاقتصادية.
لن تكشف الإدارة الأميركية عن الجانب السياسي من الخطة قبل نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أي إلى ما بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية العامة وتشكيل حكومة جديدة. بيد أن التأجيل الجديد هذا، بعد سلسلة من الإرجاءات كان آخرها انتظار انتهاء شهر رمضان الماضي، جاء بعد فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تشكيل حكومة ائتلافية تعكس نتيجة الاقتراع الذي جرى في أبريل (نيسان) الماضي. ومعروف أن الكنيست الإسرائيلي قد حلّ نفسه في الثلاثين من مايو (أيار) الماضي وحدد موعد الانتخابات التشريعية المقبلة في سبتمبر (أيلول) المقبل بعد ظهور الانقسامات العميقة في المعسكر اليميني الفائز وللحيلولة دون تولي زعيم حزب «أزرق وأبيض» بيني غانتز، رئاسة الوزراء.
في العديد من التصريحات التي أدلى بها كوشنر، لوم وتقريع للقيادة الفلسطينية التي خذلت شعبها، على ما يقول، وتحميلٌ لهذه القيادة مسؤولية الأوضاع المزرية التي يعيشها الفلسطينيون لبقاء السلطة الفلسطينية أسيرة أوهام الماضي. من الجليّ أن الحالة الداخلية الفلسطينية تعيش أزمة خطيرة منذ عام 2007 على الأقل، عندما اقتتل الفلسطينيون في غزة وسيطرت «حماس» على القطاع ووقع انقسام، لا يبدو أنه سينتهي قريباً، على الساحة الوطنية، ومضى كل طرف في اتجاهٍ من دون أن يحقق أي منهما تقدماً يُذكر نحو الأهداف التي يتطلع الشعب الفلسطيني إليها منذ أكثر من سبعين عاماً. لكنّ ذلك لا ينبغي أن يخفي حقيقة ثانية قوامها أن ما قام به الكنيست الإسرائيلي آخر مايو الماضي يُعد سابقة في التاريخ السياسي لإسرائيل. ويعكس تفتت القاعدة الاجتماعية فيها على نحو يجعل من إدارة العملية السياسية اليومية مسألة منهكة.
ودعُونا نُقر بأن الوضع الإسرائيلي الداخلي، على الرغم مما تقدم، هو الأسلم والأكثر تماسكاً بين أوضاع جميع الدول العربية المعنية بخطة السلام الأميركية المقترحة. وأن وجهاً مهملاً في الخطة، حتى في جانبها السياسي الذي لم يُعلن بعد، قد يؤدي ليس إلى فشل الخطة برمّتها، بل إلى إضرام نيران إضافية في منطقة لا تشكو من قلة الحرائق. هذا الوجه هو هشاشة الاجتماعات الداخلية التي تحتل فيها القضية الفلسطينية، في بعض الدول العربية، مكاناً شديد الأهمية. ففي الأردن ولبنان حيث يشكّل موضوع توطين الفلسطينيين مسألة تتعلق بهوية الدولة وعلاقات مكوناتها بعضها ببعض، سيكون الحديث عن البدء بتحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية بدايةً لتوترات جديدة تتعلق بالكيان السياسي للدولة ما لم تُقدم إجابات شافية عن مستقبل اللاجئين الفلسطينيين ومصيرهم.
أما في سوريا، التي تحتل إسرائيل منها هضبة الجولان وتسعى إلى الحصول على اعتراف دولي بنهائية هذا الاحتلال بعد الاعتراف الأميركي قبل شهور، فسيجد الحاكم نفسه أمام معضلة سياسية. ذلك أنه يَعدّ اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بمثابة مواطنين عرب يحق لهم ما يحق للسوريين، لكنه في الوقت ذاته يقيم كل شرعيته السياسية على زعم العمل على تحرير الجولان من خلال «محور المقاومة» الذي يتزعمه مع إيران. تفكيك هذه الخرافات ليس بالسهولة التي قد يتصورها البعض على الرغم من ضحالتها. بل يمكن القول إن المقاربة غير الموفقة للقضية الفلسطينية ستعيد إنعاش دول الممانعة وتزودها بالذخيرة الآيديولوجية والسياسية التي ستكفيها لأعوام طويلة مقبلة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة