الطيب تيزيني: في الكلام الهادئ

الطيب تيزيني: في الكلام الهادئ

السبت - 18 شوال 1440 هـ - 22 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14816]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ
لم يكن قد انتشر بعد خبر رحيل المفكر السوري وأستاذ الفلسفة في جامعة دمشق، طيب تيزيني، الشهر الماضي، إلا وبدأت الخلافات السورية حوله. وإذا كان من الطبيعي، الانقسام والخلاف بين الموالين والمعارضين حول تيزيني، المصنف في عداد المعارضين، الذين لا يتأخر الموالون في فتح النار عليهم، أحياء أو أمواتاً، فإن الخلافات حول تيزيني امتدت إلى صفوف المعارضين وداخل نخبة المثقفين السوريين الذين كان الطيب واحداً من أبرزهم.
وجاءت فاتحة الخلافات حول تيزيني من زميله المفكر وأستاذ الفلسفة أحمد برقاوي، عندما كتب على صفحته في «فيسبوك»، أن مجمل ما خلفه الرجل من كتابات ومواقف، لا تعني شيئاً بالنسبة له، وهو كلام وجد صداه لدى سوريين آخرين، أغلبهم عاب على برقاوي كلامه، واعتبر كلامه خارج المناسبة، أو من باب تصفية الحسابات، وصدرت شروحات وتعقيبات من أشخاص أقرب إلى برقاوي، وتدخل الأستاذ السابق في كلية الشريعة بجامعة دمشق عماد الدين الرشيد، ليدفع الخلافات حول الطيب ووفاته، عندما كتب مقرعاً المعزين والمترحمين على تيزيني من الإسلاميين، نازعاً أي إيجابية في مواقف الرجل الفكرية والسياسية، ووصفها بـ«الكفر»، في خطوة لا يمكن تصنيفها إلا في إطار المواقف التكفيرية المتطرفة، ما فتح خطاً آخر من الانقسام والخلاف السوري حول تيزيني، تدخل فيه مثقفون ورجال دين ما بين مؤيد ومعارض لما طرحه الرشيد.
ومثل كل قضايا الخلاف حول الأشخاص والأفكار، فإن اشتعالها يأخذ المهتمين فيها بعيداً عند الموضوع الرئيسي، أو يجعل منه، وما يحيط به من حيثيات وتفاصيل، مادة في الصراع والخلاف، بدل أن يكون في دائرة الضوء والنقاش، لكن ومع مرور الوقت، وبعد أن تهدأ موجة الخلافات، يمكن العودة إلى الموضوع الأساسي المتصل بسيرة تيزيني وما خلفه من إرث ثقافي وفكري وسياسي، رأى فيه ضرورة للتغلب على واقع الحال الذي اكتشفنا جميعاً، أنه أسوأ من أي تصور حملناه عنه في العقود الماضية.
امتدت سيرة الطيب ثمانية عقود ونصف العقد من السنوات، وهو المولود في مدينة حمص وسط سوريا لعائلة تقليدية، كان والده أحد متنوريها، وقد أتاح التفصيل الأخير للطيب باب التعرف إلى وجوه مختلفة في الحياة، بدأت مع قراءة الكتب وسماع المناقشات والمشاركة فيها، وفتحت الباب لما سيكون له من خيارات مستقبلية، يذهب فيها إلى دراسة الفلسفة، فيحصل من ألمانيا على شهادة دكتوراه أولى عام 1967، تفتح له باب سلك التعليم في قسم الفلسفة في جامعة دمشق، وتعلم على يديه آلاف الطلبة، بما فيهم طلبة الماجستير والدكتوراه، وتقول إحدى طالباته «تعلمت منه الكثير. لم يكن ليكتفي بإعطاء محاضراته. كان مكتبه في القسم مفتوحاً لطلابه. يستقبلنا ويناقشنا، ويستمع إلينا بعقل مفتوح وقلب ملؤه الود! كان مثالاً لتقبل الاختلاف. ديمقراطياً حقيقياً دون ادعاء». وكان ذلك بعض سلوكه في عمله كأستاذ جامعي أصر على البقاء خارج دوائر الفساد والإفساد والرشوة التي عممها نظام الأسد، مع إفقار أساتذة الجامعات، مما أعطاه استقلالية وقدرة على رفض ما ينبغي أن يرفضه، ومنها رفضه طلب أحد كبار رجالات النظام منه في أواسط السبعينات، أن يؤلف كتاباً عن حافظ الأسد بوصفه مفكراً، فرفض الفكرة بصورة حاسمة.
وإذا كان الدخول إلى سلك التعليم الجامعي في السبعينات، يمثل مكسباً مادياً واجتماعياً لأصحابه، فإن الأمر بدا مختلفاً بالنسبة للأستاذ الشاب، الحامل هم التغيير في بلده؛ هماً رآه البعض على يسار «البعث» الحاكم، ورآه آخرون متصلاً بالماركسية، فيما كان تيزيني يراه تجاوزاً لما سبق، وبحثاً في خصوصية الواقع السوري والعربي تالياً، ومن تلك الرؤية، ولدت ثمرة جهده الأول في أطروحته «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط»، التي نشرها عام 1971، قبل أن يتابع مسيرة تأليف فيها عشرات الكتب الفكرية، وأضاف إليها موضوعات راهنة وساخنة، كان بينها «من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني».
ثالث الأنشطة في حياة تيزيني كانت مساهماته في ندوات ومؤتمرات، وكتابات في الصحف، ومشاركاته في النشاط العام، وقد أخذت في العقدين الأخيرين طابع النقد الحاد لتركيبة النظام في سوريا وسياساته وممارساته، وترافق نقد النظام وسياساته مع الدعوة المستمرة للذهاب إلى الإصلاح خلال ربيع دمشق، وتوقيعه على بيان الألف، وهناك أمثلة كثيرة حدثت في السنوات الثماني الماضية من ثورة السوريين، الأبرز فيها مشاركة الطيب في اعتصام أهالي معتقلي الرأي أمام وزارة الداخلية بدمشق في 16 مارس (آذار) 2011.
والمثال الثاني، تمثل في مشاركته، إلى جانب آخرين، بينهم عارف دليلة ولؤي حسين وفايز سارة في لقاء تم بدمشق يوم 27 مارس 2011 (غير رسمي)، كـ«دعوة عائلية للعشاء»، في بيت السيدة سميرة المسالمة بين فاعلين في النظام، أبرزهم العميد مناف طلاس الذي انشق لاحقاً.
والمثال الثالث، تجسده مشاركة الطيب في مؤتمر الحوار الذي عقده نظام الأسد في يوليو (تموز) 2011 بفندق «صحارى»، قرب دمشق، بحضور النائب فاروق الشرع.
لقد كرست حياة الطيب تيزيني إنساناً فاعلاً ونشطاً محباً لبلده وأهله، خدم بإخلاص كأستاذ جامعي، واهتم كمفكر بمستقبل السوريين والعرب عبر البحث فيه، لكنه اهتم أكثر بواقع ما صار إليه السوريون في العقد الأخير من السنوات، ساعياً إلى وقف الدم، والوصول إلى حل سياسي، يخرج السوريين وبلدهم من الكارثة التي صاروا إليها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة