الحرب... في انتظار غودو

الحرب... في انتظار غودو

الأربعاء - 17 شهر رمضان 1440 هـ - 22 مايو 2019 مـ رقم العدد [14785]
داود الفرحان
كاتب عراقي
المشهد الأميركي - الإيراني الآن كما يلي: الحرب «آتية لا ريب فيها» في نشرات الأخبار الصباحية. والحرب في نشرات الأخبار المسائية «المستحيلات الثلاثة: الغول والعنقاء والخِلّ الوفي». وهناك مستحيل آخر نطلق عليه «رابع المستحيلات».
التهديدات الأميركية والاستعدادات الحربية «على قدم وساق»، والتحذيرات والبيانات الإيرانية «على منبر وميكروفون». ونحن نتفرج، كما يقول المثل المصري «اللي ما يشتري يتفرج»! منذ أكثر من شهر والمحللون الاستراتيجيون، العرب والأجانب، يؤرقون ليالينا باحتماليات الحرب «التي ستقع لا محالة» بين القوات الأميركية الكاسحة والنظام الإيراني الشرير.
أستطيع أن أقول إن نظام ولاية الفقيه في طهران يستمد «رباطة جأشه» ومعنوياته وعنترياته من كاريكاتير شهير نشرته صحف العالم في بدايات الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988)، بعد أن توغلت الدبابات والمدرعات العراقية في العمق الحدودي الإيراني، واحتلت مدناً مهمة مثل خسروي وقصر شيرين ومهران والمحمرة (خرمشهر) وديزفول وريف عبادان. الكاريكاتير كان يصوّر الرئيس العراقي السابق صدام حسين وهو يركل بقدمه مؤخرة المرشد الإيراني السابق خميني، بينما خميني يمسك بقدم صدام ويقول له: «سهلٌ أن تركلني، ولكن مستحيل أن تسترجع قدمك»!
وفعلاً ظل خميني ممسكاً بقدم صدام ثماني سنوات إلى أن وافق خميني مرغماً ومسموماً على وقف الحرب في 8 - 8 - 1988. ومعنى هذا الكاريكاتير أن الدخول إلى أي حرب سهل وممكن، لكن الصعب وشبه المستحيل أن تحدد يوم الخروج منها.
شاهد أي قناة إخبارية بمختلف اللغات، من العربية إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية واليابانية والصينية والهندية والإيرانية، وستجد أن خطاب الحرب يتسيد الشاشة. ترمب يحذر ويتوعد، ثم يبعث برقم هاتفه الساخن عن طريق سويسرا إلى خامنئي، ليتصل به للتفاوض قبل ساعة الصفر. وساعة الصفر الأميركية لا تتأخر، فقد جربناها في العراق في عام 1991، ثم عام 2003، فلماذا تتأخر اليوم؟
ليس لديّ رقم عن خسائر الاقتصاد العالمي في فترة «مخاض» الحرب التي قد تأتي وقد لا تأتي، تماماً مثل غودو بطل مسرحية الكاتب الآيرلندي صمويل بيكيت الذي ينتظره الجميع ليغير حياتهم نحو الأفضل، لكنه أمل يتحول إلى عبث لأنه «لا شيء يحدث، ولا أحد يجيء»! منظر المسرحية ذات الفصلين لا يتغير: طريق مُقفر ليس فيه سوى شجرة جرداء، يجلس إلى جوارها شخصان، يمكن أن نقول إن أحدهما ترمب والثاني خامنئي، يثرثران ثرثرة لا نهاية لها في انتظار غودو لحل المشكلة. في المسرحية «ثرثرة»، وفي الواقع الأميركي - الإيراني «مفاوضات». مفاوضات على ماذا؟ على حجم الإرهاب الإيراني؟ على التدخل الفارسي في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وأفغانستان؟ على الميليشيات التي صارت دولاً داخل كل دولة؟ على فرق الاغتيالات التي يقودها قاسم سليماني و«جيش القدس»؟
الحرب ليست سهلة، وهي قرار إعلان الموت والدمار، ولنا في قصص الحروب التي خاضها العراق أو فُرضت عليه، سَمّها ما شئت، دروس يبدو أن طهران لم تتعلمها.
دعوني أروِ لكم هذه الحادثة التي كنتُ «بطلها» ذات يوم من سنوات الحرب العراقية - الإيرانية: فجأة، وجدت نفسي في ذلك اليوم الشتوي البارد من عام 1981 محاصراً عالقاً مع سائق غشيم، في سيارة دفع رباعي تابعة لجريدة «الجمهورية» البغدادية، التي كنتُ مراسلاً دورياً لها في الجبهة، وسط سيل من المياه السريعة الجريان، في وادٍ عميق يفصل بين جبلين، أحدهما عراقي والآخر إيراني، بعيداً عن أقرب مدينة عراقية بساعتين في طريق غير آمن. وهذا المأزق كوم، وقذائف المدفعية والهاونات المتبادلة بين الجانبين عبر الوادي فوق سيارتنا العالقة في يوم آخر من أيام الحرب العراقية - الإيرانية كوم آخر.
صعدت المياه إلى كراسي السيارة اليابانية، ومع ذلك كان محركها دائراً، لكن عجلاتها لا تستطيع التزحزح من مصيدة حجرين كبيرين لم يرهما السائق وهو يسير فوق طريق حصوي تغطيه مياه الفيضانات. قلت للسائق: «ما العمل؟ جاءك الموت يا تارك الصلاة»! رد السائق ببرود: «ننتظر أول سيارة أو مدرعة أو دبابة عراقية لتسحبنا من هذه الورطة». كانت القذائف والانفجارات لا تتوقف، وتذكرت أن قائداً عسكرياً عراقياً قال لمجموعة من الصحافيين العراقيين والعرب ونحن نغطي معارك القاطع الجنوبي في تلك الحرب: «إذا سمعت صوت الانفجار، فاعرف أنك لم تمت»! ومعنى ذلك، طبعاً، أنك قتيل إذا لم تسمع الانفجار! واعتمدت على هذه النصيحة الاستراتيجية، وشعرت بعودة الروح، لأنني لا أزال أسمع الانفجارات، إلى أن مرّت ناقلة جنود وسحبتنا نصف متر كان كافياً لنقول: في العمر بقية.
منذ سنوات، قرأتُ كتاباً إنجليزياً عنوانه «حرب»، لمؤلفه البريطاني روبرت غرين، عرض فيه 33 نصيحة استراتيجية في أي حرب. وهو كتاب اختارته أكثر من صحيفة بريطانية ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعاً في حينها. وأحسن ما في هذا المطبوع أنه صغير الحجم، وبحدود 200 صفحة من القطع الصغير؛ يشبه كتب الجيب السياحية. يعني بإمكانك أن تضعه في جيبك وتذهب لخوض أي حرب بلا قنابل أو كلاشنيكوف.
وأرجو ألا تعتبرني نفيراً أو نذيراً للحرب، فأنا مثلك رجل سلام، لكن الفرق بيني وبين نيلسون مانديلا أنه نال جائزة نوبل للسلام، بينما نلت أنا ورقة لجوء صفراء لا قيمة لها من الأمم المتحدة. وأعود إلى الـ33 نصيحة استراتيجية التي تضمنها الكتاب، وأنا جعلتها 34، بإضافة نصيحة «إذا سمعت صوت الانفجار، فاعرف أنك لم تمت». فهذا الكتاب الصغير في عدد الصفحات هو دليل شامل للعبة الحرب التي نخوضها في حياتنا كل يوم، كما يقول المؤلف، يستند إلى دروس مستمدة من النصوص السياسية والفلسفية والدينية، مع أمثلة تاريخية منذ نابليون إلى مارغريت ثاتشر، مروراً بقبائل الزولو الأفريقية واللورد البحري البريطاني نيلسون ورجال الأعمال والصناعة والساموراي والدبلوماسيين. إنه كتاب تقول دعايته إنه يوفر لك «الذخيرة النفسية للتغلب على الفشل»!
النصائح: أعلن الحرب على أعدائك. لا تخض الحرب الأخيرة. لا تفقد عقلك وسط الأحداث العنيفة. اخلق إحساس الطوارئ والموت. تجنب فخ فكر المجموعة. جزئ قوتك باستخدام الفوضى المنظمة. اجعل حربك من أجل قضية عادلة. اختر معاركك بعناية. اقلب الطاولة في الهجوم المضاد. هدد وتوعد ضمن الاستراتيجية الرادعة. قايض المكان بالزمان، وهي استراتيجية عدم الاشتباك. اخسر معاركك، ولكن اربح الحرب. اعرف عدوك. استخدم استراتيجية الحرب الخاطفة. سيطر على القوة المحركة. اضرب على الوتر الحساس. اهزمهم بسياسة فرق تسد. افضح معارضيك وهاجمهم. حاصر عدوك. ناور لتسخين الحديد. تفاوض وتقدم. ضع استراتيجية للخروج أو الانسحاب. امزج بين الحقيقة والخيال. اتّبِع أبعد التوقعات الاستراتيجية العادية والاستثنائية. احتل أرض الحق. امنعهم من الوصول إلى الأهداف. تناول لقماً صغيرة في استراتيجية الأمر الواقع. اخترق عقول الآخرين. دمرهم من الداخل. ضع استراتيجية للتحالف لتعزيز مصالحك الشخصية. تظاهر بالخضوع حتى تسود. ازرع الذعر والشك لدى عدوك. وقدم لخصومك الحبل الذي يشنقون به أنفسهم.
أستدرك فأذكر نصيحة أخيرة، برقم 35، قالها ضابط ساخر في فيلم كوميدي فرنسي: «جبان جبان.. بس أعيش»!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة