المملكة والنمسا... حوار وتضامن ومسؤولية

المملكة والنمسا... حوار وتضامن ومسؤولية

السبت - 28 شعبان 1440 هـ - 04 مايو 2019 مـ رقم العدد [14767]
إميل أمين
- كاتب مصري
تدرك المملكة العربية السعودية بشكل واعٍ ومتميز، أحوال ومآلات العالم، وما يعتمل على السطح وفي الباطن من صراعات عرقية، وإحياء لحركات عنصرية راديكالية، ولهذا تعمل جاهدة على تعزيز روح الحوار، وتعميق أشكال التضامن، حول الكرة الأرضية.
الدور الذي تقوم به المملكة في السنوات الأخيرة؛ حيث «رؤية 2030» تفتح الآفاق واسعة لمسؤولية أدبية خلاقة تعزز من التسامح، وتتيح للحوار قنوات رائقة وراقية، يجد ترحيباً وتضامناً كبيرين من دول العالم، لا سيما الدول التي لها دالة تاريخية على الحوار وإفشاء السلم الأهلي أممياً، كما الحال مع النمسا.
في هذا السياق، يعد مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي، للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا «كايسيد»، إحدى نقاط الحوار المضيئة في أوروبا وحول العالم. أما عن أوروبا فواقع الحال أنها تحتاج إلى مزيد من الجهود في حاضرات أيامنا، لدفع أشباح القوميات والعصبيات التي تنمو بشكل مخيف بعيداً، بينما العالم العربي القريب جغرافياً يواجه تحديات الأصولية، وما بين الجانبين تبقى الحاجة إلى تصدير فكرة التلاقي هي الشغل الشاغل لـ«كايسيد»، سيما وأن الناس كما يقال أعداء ما يجهلون، بينما الحوار والجوار يقيمان الجسور، وعليهما تنشأ المودات، وتعرف البشرية سبيلاً جديداً إلى التعايش المشترك الوجداني والإيماني والعقلاني، من دون تمييز أو عزل، وبلا رؤى فوقية تقسم العالم تقسيمات عنصرية، حُكماً تؤدي إلى مزيد من العداوات وحزازات الصدور.
قبل أيام قليلة، كان «كايسيد» يشهد لقاء تشاورياً بالتعاون مع منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي، وقد شاركت في أعماله وزيرة خارجية النمسا السيدة كارين كنايسل، وجاء اللقاء ليضم مجموعة ناشطة دينية وفكرية في موضوع الحوار من العراق، ضمن سلسلة الاجتماعات المقررة مع أتباع الأديان المتنوعة، للاطلاع على تجاربهم وخبراتهم، وتحدياتهم لترسيخ العيش الواحد، واحترام التنوع وقبول التعددية، تحت مظلة المواطنة المشتركة.
لا يخفى على أي مراقب للمشهد العراقي أنه في حاجة لمن ينتشله من حالة التمزق والتمذهب والمحاصصة الطائفية، التي يعيشها منذ أكثر من عقد ونصف من الزمان، ولهذا فإن اختياره له دلالة تؤكد عمق وعي المملكة وأدواتها الحضارية لتغيير شكل المنطقة والعالم، من الصراعات والحروب، إلى التعايش وإنهاء الانقسامات، وهذا هو الدور الذي يلعبه «كايسيد» والمنصة العربية المنبثقة عنه، ضمن برامجها ومشروعاتها المتعددة، في مناطق متعددة حول العالم.
يعتبر «كايسيد» في واقع الحال نجاحاً كبيراً ومتميزاً للدبلوماسية السعودية، التي تمد يد التعاون مع قوى الاعتدال والتسامح والسلام حول العالم، سيما وأن المركز هو البادرة الأولى من نوعها عالمياً، والذي يشارك فيه دول لها دالة على التاريخ الإنساني، وعلى الحوار وآلياته، مثل النمسا ومملكة إسبانيا، وبشراكة مع حاضرة الفاتيكان، قبلة العالم المسيحي الغربي، ويقوم عليه مجلس إدارة يراعي غنى التنوع البشري، من أقصى الأرض إلى أقصاها، من مسلمين، ومسيحيين، ويهود، وبوذيين، وهندوس.
والشاهد أن النمسا كانت - وعن حق - بلداً مضيفاً محتضناً لكثير من المشاورات وورش العمل للحوار بين أتباع الأديان، ولهذا أحرز «كايسيد» نجاحاً عظيماً من مقره على أراضيها، في نشر ثقافة الحوار في أجزاء كثيرة من العالم، والتي هي بحاجة ماسة إليه.
في كلمته خلال اللقاء الأخير، أحسن كثيراً الأمين العام لـ«كايسيد»، السيد فيصل بن معمر، حين أشار إلى أن الحوار بين أتباع الأديان وداخل أبناء الدين والمعتقد الإيماني الواحد، صار يشكل عاملاً رئيساً في بناء التماسك الاجتماعي، وتعزيز الروابط والعلاقات بين المجتمعات، كما أن نجاح المبادرات المشتركة بين الأديان والمذاهب والطوائف المتنوعة، يعتمد إلى حد كبير على تعزيز العلاقات، والتفاهم بين أتباع الدين نفسه من خلال الحوار، وينطبق ذلك بصفة خاصة على العلاقات بين أتباع الأديان جميعها، وبين أتباع الدين الواحد.
السؤال الذي يطرح ذاته بذاته على خلفية المشهد الدولي الأخير؛ حيث الإرهاب المتدثر في أثواب إيمانية مغشوشة، سيما وأن الأديان تحث على التسامح والتصالح، لا على الإثم والعدوان: «كيف السبيل إلى تعزيز دور الحوار بين أتباع الأديان، والوقوف صفاً واحداً قبــــالة كل أصوات الكراهية والشر التي لا تعرف ســــوى لغـة الحقد والانتـــقام؟».
المؤكد أنه ما من سبيل في أول الأمر وآخره سوى بناء مزيد من جسور الثقة، وترسيخ أسس التفاهم بين أتباع الدين الواحد أولاً، لتتزامن مع البرامج والفعاليات المتنوعة للحوار بين أتباع الأديان والثقافات المتنوعة.
علامة الاستفهام المفزعة التي باتت المملكة تعيها وعن حق، ورجالاتها يسعون إلى تقديم حلول جذرية تخدم الإنسانية، تتمثل في: «هل أصبحنا حقاً في نهاية عالم قد نضبت قريحته، وأضحينا ضحية لتناقضاته الداخلية؟».
لا دين من دون ثقافة، ولا ثقافة من غير تربة دينية، يمكن الجواب، وحال تعمقت رؤى المثاقفة الإنسانية، سيقدر للأديان أن تكون مشاعل تضيء الطريق المظلم للبشرية في الوقت الراهن.
كان من الطبيعي أن تعرب وزيرة الخارجية النمساوية عن تقديرها الكبير لجهود «كايسيد»، واهتمامها بتعزيز عمل مركز الملك عبد الله، وتوسيع عضوية مجلسه، ومد جسور التعاون مع المؤسسات الدولية ذات العلاقة، من أجل تعزيز أفق المواطنة المشتركة والتنوع الخلاق.
أفضل ما يقال عن الحوار، إنه مسيرة نضال بين شجعان يؤمنون بأن الأديان من أجل الإنسان.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة