دراما إغريقية في «أم البرلمانات»

دراما إغريقية في «أم البرلمانات»

الأحد - 1 شعبان 1440 هـ - 07 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14740]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.
صوت واحد لنائبة لا يفترض وجودها في البرلمان، ألغى إرادة 17 مليوناً و410742 صوتاً، في أسبوع تحول فيه مجلس العموم إلى مسرح لشخصيات هزلية، كالتي رسمها أبو الكاريكاتير الإنجليزي ويليام هوغارث في القرن الثامن عشر.
شخصيات هوغارث (1697 - 1764) الكاريكاتيرية بحبكات قصصها الساخرة عن المخادعين والنصابين، الذين لا يأخذهم أحدٌ على محمل الجد، تكاد تماثل برلماناً يفترض أن يمثل الشعب، بينما أغلبية نوابه يصوّتون بعكس ما وجهتهم دوائرهم سياسياً، متسببين بأزمة دستورية تعرضت فيه هيبة «أم البرلمانات» للسخرية والاستهزاء باحتجاجات المهرجين، وانتهاء جلساته بتساقط المياه من السقف لتغرق القاعة.
قاعة المجلس اعتادت الاحتجاجات المفاجئة؛ فالتظاهر، والاعتصام، وجلد أو إحراق دمى الساسة، عناصر تقليدية مهمة في تكامل البنيان الديمقراطي، كفصل السلطات والتصويت الحر، وسيادة القانون، والصحافة الحرة كسلطة رابعة مستقلة.
في أكثر من 20 عاماً في منصة الصحافيين البرلمانية، شاهدت احتجاجات كفرد لافتات الشتائم للحكومة، وأخرى تتعمد تعطيل سير العمل لجذب الدعاية الصحافية.
مثلاً تقليد «قذف البيضة»، أو «الدهان اللزج»، أو «فطيرة الكاسترد» في الوجه، يتوقعه كل سياسي. شاهدت محاولة قذف الناشر المعروف روبرت مردوخ بفطيرة كاسترد، في يوليو (تموز) 2011 أثناء جلسة تحقيق في اتهامه بالتأثير في الحياة السياسية، وإن كانت القذيفة ارتدت إلى وجه صاحبها بفضل ضربة «كاراتيه» من ويندي، زوجة مردوخ وقتها، فأفلت الناشر من تذوق «الكاسترد» التي تناثرت شظاياها علينا نحن الصحافيين.
شاهدت احتجاجاً على حرب العراق بهرولة «مهرجي السيرك» داخل القاعة معطلين الجلسة.
كما علقت المساءلة الأسبوعية لتوني بلير (ترأس الحكومة لـ10 سنوات 1997 - 2007) في مايو (أيار) 2004، عندما تلقى قذيفة عازل واقي من المطاط مملوء بمسحوق بنفسجي احتجاجاً على قوانين التحيز للنساء بحرمان الآباء بعد الطلاق من لقاء أطفالهم، بسيطرة الآيديولوجيا النسوية المتطرفة على مزاج القضاة والقائمين على مؤسسات القانون.
بعدها وُضع حاجز زجاجي كبير من الأرض إلى السقف يفصل منصة الجمهور العام عن قاعة النواب.
الحاجز الزجاجي وفر حماية جسدية للنواب، وضمن استمرار الجلسات أثناء الاحتجاجات، لكنه فشل في حمايتهم من «البهدلة» ومن احتقار الناخب. تحول الزجاج إلى شاشة للاستهزاء، هذا الأسبوع، في المنصة العامة، بخلع 6 شابات و5 شباب ملابسهم. الشابات لصقن أجسادهن بالصمغ سريع الجفاف «سوبر - غلو» بالزجاج، وكتبن على أجسادهن عبارات احتجاج على تباطؤ المجلس في الخروج من الاتحاد الأوروبي صارفاً الاهتمام عن قضايا البيئة والتغير المناخي.
واستغرق الحراس نحو الساعة لتخليصهن بتذويب الصمغ كيماوياً، واستدعاء ضابطات بوليس لتجنب ادعاءات مستقبلية بالتحرش الجنسي، فالمحتجات رفضن الخروج بهدوء، ما اضطر الحراس لحملهن عاريات.
ورغم المغالاة في هذا التصرف من قبل هؤلاء الشبان، فلم توجه لهم تهم ذات معنى، لأن الاحتجاج جزء من ديمقراطية البلاد، لكن ما أضر بهيبة المجلس، في وقت انهارت فيه ثقة الشعب بالساسة، هو تصرف النواب أنفسهم.
فقد أدخلوا في الجدل عبارات مستوحاة من الاحتجاج مثل «مواجهة الحقيقة العارية»، رغم أن المناقشة كانت عن الأمن. «وتجريد المشكلة من نقابها...» أو «لا بد من فحص مقدمة ومؤخرة القضية»؛ ربما لاستجداء ضحكات وإعجاب متفرجي التلفزيون، فالجلسات تبث مباشرة على الهواء.
ليست هناك وسيلة لمنع هذا النوع من الاحتجاج السلمي. فالزائر يتعرض لتفتيش مثل المطارات. بل لا يسمح بدخول الأقفال الصغيرة أو سلاسل الزينة منذ أن ربطت إحدى رائدات الحركة النسائية، إيميلي بانكهيرست (1858 - 1928)، نفسها، بسلسلة إلى سيف أحد التماثيل، ولا يزال التمثال يحمل أثر كسر السيف، وإعادة لصقه، بعد أكثر من مائة عام.
المفارقة العبثية أن تاريخ الاحتجاجات، التي قد تبدو في جوهرها استهزائية، كلها بشأن قضايا مهمة. والاحتجاجات غيرت التاريخ كـ«اعتصام بانكهيرست» للمطالبة بمنح المرأة حق التصويت، و«احتجاج المهرجين» على حرب العراق، أو صبغ بلير بمسحوق بنفسجي مطالبة بحقوق الأب في تربية الأبناء، واحتجاج العراة كان بشأن قضايا جادة، لكن تعامل البرلمان مع الأمر وسخرية النواب هو ما قلل من هيبة البرلمان.
وحتى أداء رئيس البرلمان، جون بيركو، وهو الرئيس الخامس والثلاثون منذ التأسيس الدستوري البرلماني للمملكة البريطانية الحديثة في 1707 (وقامته الأقصر في تاريخ رؤساء البرلمان)، كان كأداء شخصيات الكاريكاتير التي صورها هوغارث، بانحيازه الانتقائي، مفضلاً مناقشة أربعة خيارات البقاء في الاتحاد الأوروبي، بشكل أو بآخر، وتجاهل ثلاثة أخرى موازنة.
التصويت الذي غل يدي المفاوض البريطاني أمام بروكسل، جاء بفارق صوت واحد أجبر الحكومة على ضرورة الخروج بصفقة من الاتحاد الأوروبي. ويعرف كلٌّ من تفاوض على سعر سلعة في السوق، أو عقد اتفاقيات تجارية، أن خيار عدم إتمامها سيدفع الطرف الآخر إلى المساومة على الشروط والثمن. الصوت الذي سحب البساط من تحت أقدام الأغلبية الشعبية كان لنائبة عمالية لقيت عقوبة السجن قبل بضعة أشهر بعد أن زورت في أوراق قضية مخالفة مرور، وشهدت زوراً بعد أداء القسم، وهي تهمة جنائية في المحاكم الإنجليزية، فقضت في السجن بضعة أشهر، وقارنت نفسها بالأنبياء الذين انتهكوا القوانين «الظالمة» في عصورهم!
والمساجين لا يدلون بأصواتهم في الانتخابات، حسب قوانين المملكة.
ورغم أنها لا تزال تحت اختبار حسن السير والسلوك، فقد استدعاها «العمال» إلى الجلسة؛ وبفارق صوت واحد خسر الشعب لصالح الصفوة الحاكمة.
المؤسسة السياسية فقدت ثقة الشعب. ففي انتخابات فرعية، جرت الخميس، فازت مرشحة «العمال» بالدائرة، إلا أن مجموع أصواتهم كان خُمس ما حصلوا عليه في انتخابات 2017، ولولا تعاطف الناخب مع بول فلين، النائب العمالي الراحل للدائرة، لما فازوا. كذلك تراجعت أصوات المحافظين، بينما تضاعفت أصوات أحزاب صغيرة مثل «حزب استقلال المملكة المتحدة».
ولا عجب أن انتهت جلسات البرلمان بتطور رمزي عن انهياره، بعدما فوجئنا بالمياه تنهمر على رؤوسنا في المنصة الصحافية، ثم على النواب بنهاية تراجيدية لأسبوع مثل كوميديا المسرح الإغريقي الكلاسيكي، والأقدار تتلاعب بمصير البشر، فالحاوي الاستعراضي يوري جيللر، نجم الحيل السحرية كثني ملاعق الفضة بالنظر إليها، أعلن مسؤوليته عن الحادث مدعياً أنه أعطى الأوامر «التليباثية» (التأثير من بعد) لمواسير الحمامات لتخر المياه على رؤوس الجميع. ولعل البيئة السياسية هذا الأسبوع أزكمت أنوفنا عجزاً عن التفريق بين مصدر المياه، عما إذا كانت أمطاراً من السماء، أو مياه الصرف من حمامات قصر وستمنستر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة