الملك سلمان في تونس... علاقات تاريخية متوطدة

الملك سلمان في تونس... علاقات تاريخية متوطدة

الأحد - 25 رجب 1440 هـ - 31 مارس 2019 مـ رقم العدد [14733]
عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة
العلاقات السياسية بين المملكة العربية السعودية وتونس علاقات تاريخية بحقٍ، فهي بدأت منذ زمن الملك المؤسس عبد العزيز والرئيس التاريخي لتونس الحبيب بورقيبة، حيث دعمت السعودية وبكل قوة استقلال الدولة التونسية عن الاستعمار وبناء الدولة الوطنية الحديثة.
وقد استمرت هذه العلاقات لعقودٍ طويلة وتعاونٍ مستمرٍ سياسياً واقتصادياً وكانت تونس مقصداً لبعض القيادات السعودية لقضاء الإجازة السنوية، وكان التعاون الأمني عنصراً رئيسياً في تلك العلاقات، حيث تونس هي المقرّ الرئيسي لاجتماعات وزراء الداخلية العرب، وهذه الزيارة الملكية تستبق القمة العربية المقرّر انعقادها في تونس وتتسلم رئاستها من السعودية.
مثل كل القمم العربية السابقة تواجه الدول العربية تحدياتٍ وخلافاتٍ، بل وانقساماتٍ داخل الصف العربي، وبخاصة بعد ما كان يعرف بـ«الربيع العربي»، حيث تفشت الفوضى واستقرت في بعض الجمهوريات العربية المنتفضة، وأصبحت بعضها ملعباً لكل جماعات الإرهاب الأصولية وتنظيماته العنفية، وصار بعضها ملعباً للصراعات الإقليمية الشرسة، وأكثر من هذا أن بعضها أصبح مركزاً لحربٍ باردة جديدة لم تزل تتشكل منذ سنواتٍ.
في القمة السعودية التونسية تم توقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات مختلفة، وقلّد الزعيمان بعضهما بعضاً أرفع أوسمة البلدين، وقدمت السعودية دعماً للعديد من المشاريع المهمة والمفيدة للاقتصاد التونسي وصناعة السياحة وغيرها من المجالات.
التغيير هو الثابت الوحيد في السياسة، والتغييرات الأخيرة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن ما قيل منذ سنواتٍ بأنها ستقوم حربٌ باردة جديدة في المنطقة قد حصل، بمعنى أن بعضاً كان يشكك حينذاك بأنها ستقوم أو يكون لها أي أثرٍ، واليوم فالنظام الإيراني يرزح تحت ضغط العقوبات الأميركية القاسية، والتي يتم العمل على بناء تحالفاتٍ دولية فاعلة لإكمال تلك العقوبات وجعلها أثقل وطأة على النظام الإيراني.
تناقض المصالح الروسية والأميركية في سوريا بالغ الوضوح، وكل طرفٍ يسعى إلى تعزيز موقعه وحماية مصالحه، ومن ذلك الدعم الروسي اللامحدود للنظام السوري مع محاولات إقصاء إيران عن سوريا ولكن بشكل غير فعّالٍ، ومن الجانب الأميركي إعلان أميركا اعترافها بالجولان جزءاً من الأراضي الإسرائيلية، وهي المسألة التي رفضتها الدول العربية وسترفضها القمة العربية في تونس.
فنّ إضاعة الفرص هو فنٌ أتقنته الدول العربية طويلاً، ومن ثم تعود لتقديم تنازلات بعض ضياع الفرص المهمة، حدث هذا في القضية الفلسطينية حتى الوصول إلى أوسلو، وحدث في العراق بعد مغامرات صدام حسين غير المحسوبة في غزو الكويت وصولاً لعام 2003. وحدث من قبل في مصر وصولاً لاتفاقية كامب ديفيد، والمرجو اليوم ألا تواصل القيادات العربية إضاعة الفرص واحدة تلو الأخرى، وإثبات القدرة الحقيقية على رؤية الواقع وتوازناته والمستقبل وإمكاناته بعيداً عن الشعارات أو المزايدات التي تعمي عن القدرة على اتخاذ القرار الصائب.
المترددون لا يصنعون التاريخ بل يصنعه القادة القادرون على التغيير واقتناص الفرص، وابتكار فضاءات جديدة لشعوبهم وحلولٍ خلاقة لقضاياهم بجرأة محسوبة ورؤية ثاقبة بدلاً من تكرار المكرر وتجريب المجرّب، ولولا ذلك لما تشكلت الدول العربية الحديثة، ولما استقلّ كثيرٌ منها من الاستعمار الأجنبي تحت ذرائع غير مفيدة، ولولا تنازلات محسوبة وغير شعبية لما تحققت أحلام كثير من الشعوب والتاريخ شواهده لا تحصى.
في تونس بعد ما كان يسمى «الربيع العربي» استطاعت الدولة التونسية الفرار من الانحدار إلى الفوضى والإرهاب والأصولية، وشكلت النخب التونسية والوعي المدني التونسي الذي صنعه الرئيس الأسبق والزعيم التاريخي الحبيب بورقيبة ورفاقه أن تتجنب المصير الذي انجرت إليه عدد من الجمهوريات العربية المنتفضة آنذاك، ومنها مصير ليبيا المجاورة، حيث فتكت بها التدخلات الخارجية وتفشى الإرهاب وجماعاته فيها، ومن أشهر تلك القيادات التاريخية رئيس تونس الحالي الباجي قايد السبسي.
في مصر أيضاً استطاع الشعب المصري وجيشه في لحظة تاريخية مجيدة استعادة الدولة المصرية من خاطفيها من جماعة «الإخوان المسلمين» وتحالفاتهم الإقليمية مع قطر وتركيا وإيران، وإعادتها لنفسها ولشعبها ولمستقبلها.
المعركة الكبرى في المنطقة عربياً هي المعركة مع النظام الإيراني، وقد تغيرت معادلاتها كثيراً بقيادة السعودية وتحالفاتها الجديدة والمجيدة التي أعادت الاعتبار للدول العربية ومصالحها ومصالح شعوبها، وبالذات بعدما أثبتت قدرتها على التحمل إبان عهد إدارة أوباما الذي كان يقود دولة بحجم أميركا التي تمثل أقوى الحلفاء لدول الخليج العربي في العالم، وصولاً إلى لحظة الإدارة الحالية والرئيس ترمب الذي أعلن حرباً لا هوادة فيها ضد النظام الإيراني.
في زيارة غير معتادة كان وزير الخارجية الأميركي في زيارة إلى لبنان الأسبوع الماضي مندداً بميليشيا «حزب الله» الإرهابية، ومصراً على نهج قوي بفرض العقوبات القاسية عليه، رافضاً بسط هيمنته على الدولة اللبنانية والفرقاء اللبنانيين المغلوبين على أمرهم، وهو نفسه الذي تحدث في لجنة تابعة للكونغرس الأميركي عن ضرر وخطورة تنازلات إدارة أوباما أمام الإرهاب الإيراني، وكيف أثر ذلك في تغوّل الإرهاب وانتشاره حول العالم.
لم يتمّ التسليم عربياً لإيران بابتلاع العراق، وها هو اليوم يعود لنفسه ودولته وشعبه، بجهد مواطنيه المخلصين الذين لم يخضعوا لسطوة النظام الإيراني داخل العراق، وبفضل الدعم العربي الجديد للعراق وشعبه في شتى الميادين للتخلص من براثن إيران وعملائها، والمكاسب كثيرة في هذا السياق وهي وإن لم تصل لمبتغاها بعد، لكنها خطت خطواتٍ مهمة نحو مستقبلٍ أفضل وعراقٍ للعراقيين.
تقف السعودية وتونس صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب وجماعاته وتنظيماته، مع اختلاف المعطيات في كلا البلدين في التعامل معه، وهو الملف الذي تتفق عليه غالب الدول العربية باستثناء قطر، التي تدعمه وتدعم جماعاته وتياراته، وهي التي فاجأت العالم بتصريحاتٍ غريبة تزعم فيها أنها لا تدعم جماعة الإخوان المسلمين ولا جماعات الإسلام السياسي، وهي «شنشنة أعرفها مذ أخزم» كما يقول المثل العربي القديم.
أخيراً، فباستثناء موضوعي القدس والجولان لا يمكن توقع إجماعٍ عربي في القمة العربية في تونس، بل ستكون المواقف توافقية - كالعادة - في غالب قرارات الجامعة العربية في تاريخها الطويل، وهذا شأن المجالس والهيئات الإقليمية حول العالم، مع الاعتراف بأن التوافقية العربية كانت معيقة عن مواقف فاعلة في السابق بعكس نظيراتها حول العالم.
[email protected]

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة