في سنوات السجن، كنتُ، كثيراً، ما أتساءلُ، بيني وبين نفسي، عما يمكنُ أن يكونَ قد جالَ في ذهنِ الشيطان، من تعجب، وذهول، ودهشة، وهو يرى الإنسان يبتدع السجن، وسيلة عقاب، لأول مرة!
الذين، منّا، لم يجرّبوا معاناة السجن، لا بد أن يكونوا قد مرّوا بتجربة مماثلة، أو مختلفة، أيام الصبا. وذلك إما بالحرمان من الخروج من البيت عقاباً على شقاوة، أو بالحرمان من الخروج إلى الفسحة للراحة واللعب أيام الدراسة عقاباً على إهمال، أو تقصير في أداء دروس وواجبات. هناك، أيضاً، أناس عاشوا التجربة في سجون، ليست مبنية من جدران، وأسلاك، وأبواب، وحرس؛ كأن يجد شخص نفسه سجيناً في علاقة زواج غير سعيد، ولا يمكن الفكاك منه، أو أن يعيش في بلد بمثابة سجن كبير، أو أن يكون مسجوناً في ذاته، بعجزه عن فك قيود، نفسية، أو عائلية... الخ، تحول بينه وبين تحقيق ما يريد. وهل يمكن إنكار حقيقة أن الغربة سجن من نوع آخر؟
السجن مفردة محملة، تاريخياً، بألم الحرمان، ومرتبطة بالعقاب، بمختلف أنواعه، ومصادره، وبواعثه وهي مفردة بذاكرة تُحيل، ضمن أشياء أخرى، إلى سجّان وسجين. الأولُ ممثل المجتمع - الدولة في تنفيذ حكم القانون، والثاني من تطبق عليه فترة العقوبة، بالحرمان من حريته إلى فترة زمنية تطول وتقصر. لكن العلاقة بين الاثنين، منذ تأسيسها، اتسمت بعدم الثقة في السجين، والحذر من مغبّة هروبه، من جانب السجّان، وبالخوف، وبالحيلة والخداع من جانب السجين. ولعل العلاقة لا تختلف كثيراً، عن علاقة تورط قط وفأر، في مكان مغلق، بغرضين مختلفين، ورغبتين متعارضتين.
ما دعاني للحديث عن السجن، ما قرأتُه، مؤخراً، من تقارير إعلامية، لفتت انتباهي، لا تتعلق بالهروب من السجن، وإنما بمناحٍ أخرى تحتّمها الحياة قسراً بين جدرانه، وهي كثيرة جداً. تقول التقارير إن حرّاس أحد السجون البريطانية اكتشفوا وجود ثلاثة جرذان ميتة في فناء السجن، وعند الاقتراب منها لاحظوا وجود خرزات على بطونها، وعندما فتحوها، وجدوا أنها مفرّغة من الأمعاء، ومحشوة بمواد ممنوعة، تبيّن أنها هواتف جوالة، وشفرات هواتف، وتبغ، ومخدرات. لولا يقظة السجانين لكان السجناء التقطوا الجرذان الميتة الثلاثة، واستخلصوا ما فيها من ممنوعات، وتصرفوا فيها بالبيع أو بالاستهلاك، أو بالاثنين معاً.
في سجن بريطاني آخر، اكتشف السجّانون أن السجناء يهرّبون الممنوعات إلى السجن، عن طريق حمام ميّت، يُلقى من الخارج، إلى ساحة السجن، فيلتقطه السجناء ويقومون بسحب البضائع من جوفه: من أين لعقل سجّان، مهما كانت درجة ذكائه، وخبرته، أن يستريب في حمامة ميتة، أو جرذ ميت، ملقى في فناء سجن؟
في العام الماضي، استناداً للتقارير نفسها، حُكمَ على شخص بالسجن لمدة ثمانية أشهر، بتهمة تهريب ممنوعات إلى داخل السجن باستخدام كرات تنس وحشوها بالمخدرات، ثم تطويحها في ساحة سجن. وفي سجن آخر، اكتشف السجانون أن التهريب يتم عن طريق استخدام كرة قدم، بعد حشوها بالممنوعات.
كرات القدم والتنس تذكّرني بأيام السجن في سجن «الحصان الأسود»، والمعروف أيضاً باسمه الإيطالي القديم، سجن «بورتو بنيتو» في طرابلس. كان السجن مشطوراً قسمين: مدنيا خاضعا لإدارة شرطة السجون، وآخر عسكريا خاضعا لإدارة الشرطة العسكرية. وكان كل سجناء الرأي الليبيين، يوجدون في القسم العسكري، مع غيرهم من السجناء العسكريين، المتورطين في مؤامرات لقلب نظام الحكم. وفي إحدى السنوات الأولى، ونتيجة لترتيبات أمنية، تم تقسيم السجناء، وفقاً لسنوات أحكامهم. فكان هناك قسم للمحكومين بالإعدام، وثانٍ للمحكومين بالسجن المؤبد، وثالث للمحكومين بسنوات، ورابع لمن انتهت مدة أحكامهم القضائية، ولمن حُكم عليهم بالبراءة، لكن لم يفرج عنهم جميعاً، وأطلق على ذلك القسم قسم المحكومين بالبراءة!!
ترتّب على ذلك الإجراء التنظيمي، أن معظم المجموعات التي دخلت السجن، في قضية واحدة، تعرّض أفرادها للتفريق، والتوزع بين عدد من الأقسام، حسب مُدد الأحكام. ونشأ عن ذلك كثير من الألم. إلا أن التواصل اليومي، حقيقة، لم ينقطع، إلا لفترة بسيطة؛ ذلك لأن السجناء ابتدعوا فكرة للتواصل وتبادل المعلومات، تقوم على استخلاص ما في جوف رغيف الخبز، وترطيبه بالماء، وإعداده على شكل كرات، تختلف في الحجم، توضع في داخلها الرسائل، ثم في غفلة من دورية الحراسة المناوبة فوق السطح، يتم تطويح تلك الكرات، إلى ساحة القسم الآخر، ويتم تلقي الردود على المنوال نفسه.
7:51 دقيقه
TT
تجارب وفنون وحيل
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
