فؤاد مطر
أحد كتّاب الرأي والتحليل السياسي في «الشرق الأوسط» ومجلة «المجلة» منذ العام 1990 وقبلها عمل صحافياً وكاتباً في «النهار» اللبنانية و«الأهرام». نشر مجلة «التضامن» في لندن وله 34 مؤلفاً حول مصر والسودان والعراق والسعودية من بينها عملان موسوعيان توثيقيان هما «لبنان اللعبة واللاعبون والمتلاعبون» و«موسوعة حرب الخليج». وثَّق سيرته الذاتية في كتاب «هذا نصيبي من الدنيا». وكتب السيرة الذاتية للرئيس صدَّام حسين والدكتور جورج حبش.
TT

العيون نائمة... والقلوب مستيقظة

نبَّهنا يوم الجمعة 15 مارس (آذار) 2019 إلى أن هذا اليوم هو «اليوم العالمي للنوم». لم نكن على معرفة بأن قائمة الثلاثة والستين يوماً الأممية، خصَّت يوم 15 مارس من العام ليكون «اليوم العالمي للنوم» شأنه في ذلك شأن «اليوم العالمي للصحة والسلامة في أوقات العمل»، و«اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف»، و«اليوم العالمي للأم»، و«اليوم العالمي للحق في معرفة الحقيقة فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة»، و«اليوم العالمي للتبرع بالدم»، فضلاً عن «اليوم العالمي للصحافة»، و«اليوم العالمي للطيور المهاجرة»، و«اليوم العالمي لوقف التدخين»... هذا عدا الأيام الصحية، وما أكثرها، مثل «اليوم العالمي لسرطان الثدي»، و«اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد».
وإذا كانت الأمم المتحدة أدرجت هذا اليوم ضمن أيامها الأممية، من دون إرفاق ذلك بحيثيات وشروحات وتحديد الدواعي والأسباب الموجبة، فإن الكتب المقدسة الروحانية عموماً، ثم بعد ذلك الفقهاء والعلماء، فالشعراء وأطباء العلوم النفسية، أعطوا النوم من التحديد والتوضيح والأهمية والنصح، كثيراً من المفردات الطيبة، ومن الأبيات الشعرية الرقيقة الكثير. كما أن الاختصاصات في المجال الطبي أدرجت النوم كحالة تستوجب إنشاء مراكز متخصصة لها، وذلك بعدما بات من أنواع أمراض العصر.
وكان الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم – قد شمل مسألة النوم بنصيحة تجمع بين التعبد والاستغفار وإدخال الطمأنينة إلى النفس القلقة، والتي من أجْل ذلك لا تغمض الأعين من كثرة الأرق. وهذه النصيحة هي: «إذا أويْتَ إلى فراشك فقل: اللهم أسلمتُ نفسي إليك، ووجَّهتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيك الذي أرسلتَ. فإنك إن متَّ من ليلتِك مِتَّ على الفطرة، وإن أصبحتَ أصبْتَ خيراً».
وعندما يأتي الحديث حول النوم، يستحضر المرء من الذاكرة كلمات رقيقة من أغنية مثل: «النوم يداعب جفون حبيبي»، وعبارة تعكس واقع الحال: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»، ووقائع لافتة، وأبياتاً من قصائد قيلت في حُقب من أزمان العصور. ولطالما ونحن نتلقى دروس الأدب العربي كتبْنا شروحات عن قول المتنبي: «نامت نواطير مصر عن ثعالبها... فقد بشمْنَ وما تفنى العناقيد». ومنذ ذلك الدرس لم نستعمل على الإطلاق كلمة «بشمَ»، لا بمعنى السأم من الحياة، ولا بمعنى التخمة من الطعام. وتلك حالنا مع كلمات كثيرة في لغتنا الجميلة، لا مجال لاستعمالها، خشية عدم استيعاب قارئها معناها. لكن الأمور تأخذ منحى التبسيط عند أبي الطيِّب نفسه، بدليل قوله: «أنام ملء جفوني عن شواردها... ويسهر الخلق جرَّاها ويختصم»، وقول أبي العلاء بالتبسيط الشعري اللغوي نفسه: «وكيف تنام الطير في وُكناتها... وقد نُصبت للفرقديْن الحبائل»، وكذلك قول ابن الرومي، صاحب البيت الشهير الذي ينطبق حاضراً كما ماضياً على البصرة، كما على دمشق وطرابلس الغرب وبنغازي وصنعاء وبيروت في الثمانينات: «أي نوم من بعد ما حل بالبصرة ما حلَّ من هنات عظام».
والحديث حول النوم يقودنا إلى ظاهرة طالما لمسناها لدى بعض حكام الزمن العربي الغابر، كما لدى بعض الحكام العرب الثوريين بين الستينات والتسعينات. والبعض من هؤلاء تسنى لي بحكم عملي الصحافي أن أعرفهم، وأقف على هاجس النوم عندهم، وذلك أنهم يفضلون العمل ليلاً، فلا ينام الواحد منهم قبْل أذان الفجر. وفي بادئ الأمر افترضْنا أن المسألة عادية، وأن هذا المسؤول أو ذاك ينتظر الانتهاء من إنجاز عشرات الملفات والقضايا والاجتماعات، لكي يستقبل صحافياً يُجري مقابلة معه، إلى أن تجمعت معلومات تفيد بأن هذا الحاكم الثوري يعتمد عدم النوم ليلاً من باب الحذر والحيطة، كي لا يقوم آخرون بالانقلاب عليه. ولقد حاولتُ متذاكياً ذات مرة الحصول على حقيقة أمر الحالة المشار إليها؛ حيث إنني في سياق أسئلة تناول أحدها نهج حكام الزمن الغابر في الحكم، سألت الحاكم الثوري رأيه فيمَن هو القدوة في نظره كرجل دولة، تستوقفه طريقته في إدارة أمور البلاد والعباد، فسمعتُ منه الرد الآتي: «إنه أبو جعفر المنصور».
لماذا المنصور بالذات؟ من أجْل ذلك عدت إلى كُتب التاريخ، لأجد الجواب في عبارة في سياق وصية لابنه محمد (المهدي)، وهي: «إن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولا دخل عينيه النوم إلا وقلبه مستيقظ».
هل يا ترى جميعهم ماضياً كانوا مثل أبي جعفر المنصور؟ وهل يا ترى جميعهم حاضراً مثله لا يدخل النوم عيونهم إلا وقلوبهم مستيقظة؟ أغلب الظن هم كذلك، حتى في «اليوم العالمي للنوم».
وأستحضر على سبيل المثال لا الحصر، حالة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي - على نحو ما سمعناه من جليسه الأستاذ محمد حسنين هيكل - أمضى ليلتَي 7 و8 يونيو (حزيران) 1967 مستيقظاً، جافى النوم عينيه. في الليلة الأولى بعدما تكشفت له بالوقائع والأرقام حقيقة الأحوال، التي أمست وبالذات بالنسبة إلى المطارات والطائرات الحربية، نقيض ما أُذيع صبيحة الخامس من يونيو. ولقد قرر بينه وبين نفسه أن من حق الشعب المصري وسائر شعوب الأمة عليه، أن يتنحى بعدما خابت الآمال. وأمضى الليل يدخن بشراهة، ويطرح على نفسه أسئلة، كما يستعرض أفكاراً لتضمينها إعلان التنحي. ولأنه كان يحتاج إلى مَن يوافقه الخيار الذي لا بد منه، فإنه استدعى صديقه هيكل ليسمع منه الرأي، ويطلب منه كتابة نص البيان. وليلة أُخرى يجافي النوم عيني عبد الناصر، في انتظار أن يدبج هيكل بيان التنحي، والذي بسبب ذلك هو الآخر لم ينم.
وفي تقديري، أن الخطوة في حد ذاتها، أي إقرار عبد الناصر بتحمُّل المسؤولية، زائداً منظر وجهه وهو يلقي البيان، وكذلك نبرة الشجن في عبارات، إلى جانب صياغة هيكل النفسية والمتقنة للبيان، هي من جملة أسباب رد الفعل الشعبي العفوي الرافض للتنحي، الذي عايشناه يوم العاشر من يونيو، وشكَّل بداية حقبة جديدة لعبد الناصر، كان النوم خلالها يجافي عينيه بين فترة وأُخرى، بسبب الظروف الصحية التي كانت قاسية، وبقساوة استمرار سيناء وقناة السويس التي كان تأميمها رمز سطوع نجوميته، تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وخلاصة القول: إن النوم سيظل يجافي عيون الحكام الثوريين، ما دام صوت التنحي هو الأعلى بين الأصوات.