ملك في عالم تغير

ملك في عالم تغير

الاثنين - 4 رجب 1440 هـ - 11 مارس 2019 مـ رقم العدد [14713]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
أخذتني المهنة في 1999 إلى مكتبي شابين عربيين آنذاك لمحاورتهما. كان قدر الأول قد ارتسم وقدر الثاني قيد الارتسام. اسم الأول عبد الله الثاني واسم الثاني بشار الأسد. وهما من جيل واحد، فحين ولد بشار في 1965 كان عبد الله الثاني في الثالثة من عمره. دخلت مكتب الشاب الأردني في عمان بعيد توليه المصير الأردني. ودخلت مكتب الشاب السوري في قاسيون قبل عام من توليه المصير السوري. وأفرحني أن تتاح لي، وللمطبوعة التي أعمل فيها، فرصة مواكبة تجربة جيل جديد من الحكام العرب. وقد اعتبر وصول الجيل الجديد يومها مناسبة لإطلاق مقاربات جديدة في الحكم توفر قدراً من العصرنة في السياسة والاقتصاد.
وعلى عادة الصحافيين كنت أفكر في حجم المهام الملقاة على عاتق كل من الرجلين. ولأنَّ أبناء المهنة يحبون المقارنات كنت أقول في نفسي ما أصعب أن تكون وريثاً للاعب استثنائي أقام طويلاً ورسخ زعامة وكرس أساليب. كان الملك حسين بن طلال بارعاً في ممارسة مهنته الصعبة كملك. تعلم فن مداراة الرياح لينتقل لاحقاً إلى القدرة على استشفاف اقترابها وتوفير مظلات النجاة منها. أدرك أن البلد الصغير الذي ألزمته الجغرافيا بقدر صعب يحتاج إلى صيانة دائمة في الداخل والخارج. صيانة الاستقرار وصيانة الدور الذي يحميه والقدرة على الإيحاء أن الضمانة الأخيرة موجودة مهما عصفت الأنواء بالمركب. وكان الرئيس حافظ الأسد لاعباً ماهراً تدرب باكراً على فنون السباحة في المياه المضطربة. يحالف موسكو ولا ينسى واشنطن. يحظر على أي لاعب أجنبي امتلاك أوراق على الملعب السوري ويتقدم لامتلاك الأوراق على ملاعب جيرانه كما الحال مع لبنان. وكان على الرجلين أن يفكرا دائماً برجل ثالث صعب اسمه صدام حسين كان يعتبر نفسه موازياً لجمال عبد الناصر ومتميزاً عنه بثروة النفط أيضاً. والعراق أصلاً جار صعب مرة حين يكون قوياً وأخرى حين يكون ضعيفاً. وكان صدام وحافظ الوافدان من حزب ميشال عفلق يختلفان في كل شيء إلا في الإعجاب بصلاح الدين الأيوبي. وكان الرئيس جلال طالباني يعلق ضاحكاً: «لدى الأكراد قائد تاريخي استثنائي اسمه صلاح الدين لكن البعث استولى عليه».
لنترك المقارنات جانباً. دخلت قبل أيام مكتب الملك عبد الله الثاني. وجدته مرتدياً الزِّي العسكريَّ. وفهمت أنه عائد للتو من زيارة مفاجئة لإحدى الوحدات العسكرية. ولا غرابة في الأمر. إننا في منطقة الشرق الأوسط وهي ولادة للمفاجآت والأخطار. وإذا كان على الحاكم أن يتحسس باستمرار أرقام اقتصاد بلاده فإن عليه التأكد دائماً من جهوزية جيشه. ومن الثوابت في جيش الأردن أنه لا يستطيع الاستقالة من المصير الفلسطيني، والأمر نفسه تقريباً بالنسبة إلى المصيرين العراقي والسوري. وفي العقدين الماضيين كانت الملفات الثلاثة صعبة وشائكة.
تترك أزمات الجوار آثارها في قلب البيت الأردني. علاوة على الفلسطينيين الذين هجّرهم الاحتلال الإسرائيلي استقبل الأردن أمواجاً من العراقيين، ولا يزال نحو أربعمائة ألف منهم يقيمون في أراضيه. واستقبل نحو مليون وأربعمائة ألف سوري لا يزيد عدد من عاد منهم إلى بلاده على 12 ألفاً. أنهكت هذه الأعباء الاقتصاد الأردني وعرّضت البنية التحتية لضغوط شديدة، وكانت المساعدات الدولية أقل بكثير من الحاجات.
إطلالة «داعش» المدوية لم تكن بسيطة على الإطلاق. كان على الأردن البقاء في استنفار دائم كي لا تتعرض حدوده للاختراق على غرار ما حصل لحدود العراق وسوريا. كان لا بدَّ من الاستعداد لمواجهة هجمات «داعش» وكان لا بدَّ من التصدي لجاذبيته، خصوصاً حين يسعى إلى استقطاب الشباب الغاضب أو اليائس بفعل البطالة، أو الوقوع في فخ التشدد في منطقة كانت تشهد مناخاً مذهبياً ملتهباً.
الطمأنينة نبتة لا تعيش في تربة الشرق الأوسط. لم تبدأ الأخطار مع «داعش» ولا تنتهي بنهايته. ثم من قال إن «داعش» قد انتهى. خسرت «دولة الخلافة» وجودها على أرض العراق وسوريا، لكنها انتقلت بالكامل إلى «دولة الخلافة الافتراضية». عبر شبكات التواصل الاجتماعية والتطبيقات مثل «تلغرام» و«واتساب» وغيرها يدير «داعش» عملية مستمرة للتطويع والتدريب على القتال وصناعة المتفجرات وإصدار التوجيهات بشن العمليات. التحقيقات الأردنية أظهرت أن أعضاء «خلية الفحيص الإرهابية» الذين جاءوا من خلفية جرمية تأدلجوا عبر الإنترنت خلال شهر واحد وانتقلوا إلى التنفيذ. وقد تمكنت الأجهزة الأردنية من قتل ثلاثة منهم واعتقال الباقين في غضون أقل من 24 ساعة. ثم إن انحسار «داعش» يترافق مع إطلالة جديدة لـ«القاعدة»، خصوصاً لتنظيم «حراس الدين» الذي ولد على الساحة السورية في فبراير (شباط) 2018 من عناصر من «القاعدة» كانوا مع أبو مصعب الزرقاوي، ويقال إن تعليمات أيمن الظواهري تصل إليهم عبر سيف العدل المقيم في إيران.
بعد عقدين من توليه مهامه يدرك عبد الله الثاني أنه ملك في عالم تغير وفي منطقة تتغير. عراق اليوم لا يشبه أبداً ذاك الذي كان قائماً عشية القرن الحالي. ويكاد الأمر نفسه ينطبق على سوريا. والميليشيات الإيرانية تقيم قرب حدود الأردن عبر الخريطتين العراقية والسورية. وأفق السلام مسدود و«صفقة القرن» لن تعثر على توقيع فلسطيني.
في هذه المناخات الصعبة يواصل عبد الله الثاني مهمة صيانة الاستقرار والكيان والدور. علاقته الوثيقة بأميركا على تبدل الإدارات ثابتة، خصوصاً في ضوء قدرته على مخاطبة الكونغرس ومعرفته بقوانين اللعبة هناك. أسعفته في الأزمة السورية علاقة قوية سابقة مع جار جديد اسمه فلاديمير بوتين، خصوصاً فيما يتعلق بالوضع في الجنوب السوري. وفي الداخل حيث يصطاد المغردون كل تقصير أو فساد يواصل الملك الحوار مع السياسيين والأحزاب والنقابات والإعلاميين والناشطين. وخير دليل أن مغردين كانوا بين من شملتهم جلسات الحوار الدوري المفتوح في بلد يعاند رغم قلة إمكاناته الاقتصادية للحفاظ على استقراره، ولا يتردد في اتخاذ القرارات المؤلمة لإنقاذ اقتصاده.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة