حاسوبك يحتاج لتأديب

حاسوبك يحتاج لتأديب

الأحد - 3 رجب 1440 هـ - 10 مارس 2019 مـ رقم العدد [14712]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
اجتمعت في باريس، قبل أيام، نخبة من الخبراء في مؤتمر دعت إليه (اليونيسكو) حول الذكاء الصناعي. هذا موضوع مثير لمن كان من جيلي، يوم لم نكن نعرف سوى الذكاء الطبيعي والغباء الطبيعي. كانت هناك الأسنان والرموش الصناعية والشعر الصناعي. باروكة نراها على رؤوس الممثلات والممثلين. ثم عرفنا الأطراف الصناعية. ساق أو ذراع تحل محل طرف مبتور. وكان زرع قلب صناعي في صدر بشري حدثاً فتحنا له الأعين دهشة ورفعنا له القبعات.
في ثمانينات القرن الماضي، ذهبت لتغطية مؤتمر لشركة «صخر» جرى في القاهرة. وكانت تلك الشركة رائدة في مجال البرمجيات العربية للحواسيب. ووجدت نفسي مثل الطرشاء في الزفة. فلم يكن لدينا كومبيوتر في البيت. جهاز يقتصر استخدامه على الشركات والمصارف الكبيرة. وكنت قد رأيت ذلك الجهاز للمرة الأولى في مطار بغداد، لدى ضابط تدقيق الجوازات. وبكل حسن نية كتبت عموداً تمنيت فيه لو يجري تجهيز الجامعات ومراكز البحث العلمي بالحواسيب قبل دوائر الأمن. وكان من الطبيعي أن أتلقى جرّة أذن.
يوم أهديت حاسوباً لابني شعرت وكأنني أستضيف مركبة فضائية. في بيتنا كومبيوتر. صاروخ ينقلنا من العصر الحجري إلى ثمالات القرن العشرين. سيتعلم الولد فنون التكنولوجيا التي كانت تستعصي علي وأخشى الاقتراب من طلاسمها. سبحان الذي صيّرني، ذات معجزة، محررة تستغني عن القلم وتكتب على لوحة المفاتيح. ألمس شاشة اللوح فتصطف حروف المقالات. أعتصر دماغي الطبيعي لكي أبتكر القصص ثم يأتي جهاز متطور ليطيح بي بالضربة القاضية. إن ذكاءه الصناعي يجعله قادراً على صياغة مادة صحافية بأفضل مما أفعل. ألجأ إلى «غوغل» فيطمئنني بأن الذكاء الصناعي ما زال يواجه مشكلات في التخطيط والإدراك والتفكير المنطقي. ومن الآن إلى أن تُحلّ تلك المشكلات أكون قد بلغت التقاعد.
وها هو مؤتمر (اليونيسكو) يلتئم لكي يدعو إلى ضرورة التزام الذكاء الآلي بالقيم الأخلاقية ومراعاة حقوق الإنسان. كم هي مسكينة حقوق الإنسان. إنها أول من ينبطح تحت الأرجل في كل خطوة تخطوها البشرية. ونسمع من الخبراء الذين حضروا المؤتمر أن الذكاء الصناعي لا يقتصر على التكنولوجيا بل هو مسألة علمية وسياسيّة وفلسفية وأخلاقية تمسّ البشرية جمعاء. وبصرف النظر عمّا يوحي به هذا الذكاء من تفاؤل فإنه يثير مخاوف أخلاقية. لا بد من تخفيف الطابع الصناعي لهذه التقنيات وجعلها أكثر حكمة. وبصراحة فإن هذا المطلب غامض ويدعو للتأمل. فهو يريد من الذكاء الصناعي أن يتنازل عن بعض خصائصه لكي ينضبط وفق شروط أخلاقية.
في المؤتمر، تلفت النظر كلمة النائب الفرنسي سيدريك فيلاني، الحائز وسام «فيلدز» في الرياضيات، وقد أشار إلى أهمية السيادة الجغرافية السياسية في عالم يعيش منافسة شرسة لتطوير الذكاء الصناعي. قال إن الخطر الحقيقي يكمن في ألا نكون قادرين على مواجهة هذا التحدي. أي سيادة الإنسان في وجه الخوارزميات. والخوارزمية، نسبة إلى مكتشفها محمد بن موسى الخوارزمي، هي الخطوات الرياضية المنطقية والمتسلسلة التي تقود لحل مشكلة ما. وفي الغرب يسمونها «آلغوريثم» ويحفظها كل طلاب المدارس. وبفضلها ظهرت الأجهزة المتطورة التي نستخدمها، مع أن الخوارزمي توصل إلى نظريته قبل أكثر من عشرة قرون، أيام إدارته بيت الحكمة في بغداد. واليوم تسابق الأجهزة الذكية «البني آدمين». تراقبهم وتقرأ نياتهم وتجمع بياناتهم وتحفظ مراسلاتهم وتخترق مهاتفاتهم وتتجسس عليهم. صار الذكاء الصناعي مارداً ينذر بالتمرد على القمقم. لعل على العلماء أن يؤدبوا الحاسوب.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة