الدرس الجزائري السوداني

الدرس الجزائري السوداني

الثلاثاء - 27 جمادى الآخرة 1440 هـ - 05 مارس 2019 مـ رقم العدد [14707]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا
الحراك الجماهيري في الجزائر ضد إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، والحراك الشعبي الآخر في السودان لاجتثاث نظام «جثم» على صدر شعبه ثلاثين عاماً، نموذجان يمثلان حالة ازدراء بتجربة ما يُسمى الربيع العربي القاسية الدموية المريرة، وليس من لازم كلامي الإشادة بالربيع العربي أَو الحض عليه أو تحبيبه للنفوس، إطلاقاً، فالكل رأى بأم العين الحقائق الدامغة والويلات والثبور وعظائم الأمور التي جَرَّتها ثوراتُ الربيع العربي على سوريا وليبيا واليمن، وقد سبق أن أكدتُ مراراً في هذه الصحيفة وفي عدد من تغريداتي أن المبادرة بإشعال الثورات جريمة ومغامرة محفوفة بالمخاطر مهما استبد الحاكم وبغى وطغى لأن الحال في الغالب ستؤول إلى أسوأ، ولهذا رأينا في دول الثورات العربية مَن يتمنى عودة النظام الديكتاتوري الدموي ولا العيش في الفوضى والاقتتال والتشرد وانهيار الاقتصاد، وقلتُ حينها إن قرار إشعال الثورة أشبه بقرار طبيب أرعن قرر إجراء عملية قلب فيها شق صدر وفصد عرق وتمزيق لحم، في وقت كان بمقدوره استخدام الأدوية أو القسطرة في أسوأ الأحوال.
المشكل أن بعض الأنظمة العسكرية العربية، مثل السودان، استكانت لحقيقة انتكاسة الربيع العربي فكَبَّرتْ وسادة الطغيان وفَلَّتْ لحاف الاستبداد فَغَطَّتْ في نوم الغفلة ولم تَعتبر بما حلَّ باليمن وليبيا وما سوريا عنهما ببعيدة، وظنت أن الجماهير اكتفت من غنيمة ثورات الربيع العربي بالإياب، ولم تدرك أن الظلم والبطش والطغيان مرتعه وخيم، لأنه يعني التخلف والبطالة والقهر والغبن والفقر المدقع والحياة الرديئة، وحينها يستوي عند بعض الشعوب الموت والحياة، والسجن والحرية، والتشرد والاستقرار، ويطيش العقل وتتلاشى الحكمة، فلا يفكر في عواقب الأمور ومآلاتها، وما يجري على الثرى السوداني هذه الأيام أكبر شاهد، فقد ظن النظام أن قبضته الحديدية وتلويحه الدائم بالعصا، ستجبر حراكَ الجماهير السودانية على الانكفاء والتسلل لواذاً إلى بيوتها.
الديكتاتورية والاستبداد والشدة ليست دوماً شراً محضاً، فالصين تشدد قبضتها الأمنية بيد وتطلق التنمية والازدهار باليد الأخرى، وقل ذات الشيء مع مهاتير ماليزيا مع الفارق بين هذه النماذج، الاستثناء عند بني يعرب، فديكتاتورية الأنظمة مثل نظام البشير والقذافي والأسد وعلي صالح شرور محضة لم تقايض القبضة الأمنية بالازدهار الاقتصادي، بل ظلت الوجه الآخر للتخلف التنموي، كما لم تفلح في استنساخ تجربة الصين، قبضة حديدية وتطور تنموي، ولا نجحت في تكرار تجربة فرانكو إسبانيا «المستبد العادل».
الاستجابة للحراك الجماهيري الخطر في الجزائر حول إشكالية التمديد لبوتفليقة ولاية خامسة، وتنازل البشير عن الحكم، يعدّان إجراءً وقائياً ناجحاً، ليس في حماية هاتين الدولتين من الانزلاق إلى مسار الثورات الخطر فحسب، بل أيضاً لحماية بقية الدول المحيطة، لأن في الثورات بكتيريا خطرة ومعدية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة