السهاد معرقل للإنتاج، ومدمر للاقتصاد، وتخسر الدول جراء هذا المليارات. فلكي يبدع الإنسان أو على الأقل يقوم بواجبه الوظيفي لا بد له من النوم سبع ساعات لا أكثر. أما إذا تعذر ذلك فالمحصلة عمل غير متقن وإنتاج مهلهل، وبالتالي فإن النتيجة الحتمية هي عرقلة النمو الاقتصادي وبطؤه، وتخلفه عن الركب العالمي.
هناك بداية لكل حكاية، لكن ليس شرطاً حصولها على نهاية. إذ إن كثيراً جداً من الحكايات تظل لزمن طويل سائرة مترحلة على الطرقات متنقلة بين الأفواه من دون أن تحط رحالها في أرض نهاية مأمولة أو غير متوقعة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن بداية حكاية معروفة مثل الأرق أو السهاد موغلة في القدم، ولعلها مقترنة بظهور الحياة البشرية على الأرض، لكنها ما زالت إلى يوم الناس هذا تبحث عن كِنّ تلجأ إليه، مستجيرة من تعب الترحال لتنام قريرة العين دافئة، في نهاية سعيدة تظللها البهجة.
من منّا لم يجرب الانزلاق في متاهة سهاد سادي أو لم يقع فريسة سهلة بين أنياب أرق متوحش؟
ومن منّا خطر بباله يوماً ما أن التقدم البشري علمياً قد يتمكن من فتح مغالق أبواب الأرق العصية؟ نعرف أنه تعامل مع أبواب الأمراض، لكن هذا شيء مختلف يتعلق بالمزاج، ويضيء لنا ما عتم أمامنا من متاهات السهاد على أمل أن ينتشلنا أخيراً من تعبنا، ويقضي على مسبب لألم من آلامنا التي ظللنا كبشر نحملها من جيل إلى جيل.
إذا كانت هناك حكايات سهلة التصديق وبمنطق مقبول، فهناك أيضاً حكايات محيرة للعقل وتستغلق على المنطق، لكن إنجازات العلم البشري الحديث وتحققاته التي طالت كل شيء في الواقع الحياتي الإنساني، أبانت بما لا يدع مجالاً لشك أن لا شيء قادر على إيقاف العقل البشري من التطور ومن فك ألغاز الدنيا وما ابتلتنا به من أمراض وأوبئة.
تقول حكاية على لسان تقرير في صحيفة التايمز البريطانية الصادرة يوم الثلاثاء الموافق 26 فبراير (شباط) 2019، إن «البحث عن علاج للأرق تلقى أكبر قوة دفع منذ عقود يوم أمس، حيث أشارت دراسة إلى نوع من الخلايا الدماغية يبدو أنها تلعب دوراً حاسماً».
التقرير المعنون بـ«نتائج الحمض النووي تمنح أملاً للمؤرقين» أوضح أن تحليلات الحمض النووي لنحو 1.3 مليون شخص تشير إلى نوع من خلية دماغية تعرف باسم الخلايا العصبية المتوسطة تلعب دوراً حاسماً في المرض. هذه الخلايا معروف عنها شدة حساسيتها للدوبامين، وهو مركب يحمل رسائل كيميائية في الدماغ ولديه ارتباطات بمجموعة واسعة من خلايا دماغية أخرى.
بيانات الحمض النووي جُمّعت من قبل شركة أميركية تعرف باسم (23and Me) متخصصة في إجراء الفحوص الجينية و(UK Biobank) المصرف الحيوي البريطاني. وصدرت دراستان؛ الأولى جرت في جامعة VU بأمستردام - هولندا، والثانية بجامعة إكستر ببريطانيا، تعرضتا بالتحليل للجينات في الحمض النووي لآلاف من الأشخاص، وأفلحتا في الكشف عن تداخل بين الأرق والكآبة.
ما يهم في كل هذا الكشف الطبي الباهر هو أن باباً آخر كان موصداً وتوصل العلماء إلى فتحه بمفاتيح العلم والدراسة والتحليل، وبدأ كأن الطريق إلى ما استغلق من ألغاز الجسم البشري على عقولنا، منذ زمن قد تم إعدادها بقصد تعبيدها للوصول إلى علاج طبي يتيح للمؤرقين أخيراً النوم والراحة والاستمتاع بأحلامهم مثل غيرهم.
لكم تمنيتُ لو أن المتنبي ظل حيّاً لأكون أول من يهرع نحوه مبشراً، بتمكن العلم من وضع نهاية لأرقه المتراكم. ليت المتنبي حي.
TT
بداية النهاية لسهاد البشرية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
