الشرق الآسيوي من نظرة الرئيس إلى رؤية الأمير

الشرق الآسيوي من نظرة الرئيس إلى رؤية الأمير

الخميس - 23 جمادى الآخرة 1440 هـ - 28 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14702]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

أعطى ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان العلاقة العربية مع الشرق الآسيوي بمثلثه الصيني - الهندي - الباكستاني بعد الياباني صفة كانت تحتاجه هذه العلاقة بحيث تنتقل من مجرد نظرة للتعاون متنوع الاحتياجات وتفعيل ميزان التبادل التجاري إلى العمق الاستراتيجي بكل مناحيه من الثقافة إلى الشأن العسكري، فلا تكون العلاقة عابرة وعرضة لموجات من الفتور، كما لا تكون بفعل حالة اضطرارية ضاغطة على نحو ما أوجب على سبيل المثال قبل ستة عقود استيلاد ظاهرة مباغتة، ونعني بها حركة عدم الانحياز التي قامت في الخمسينات بفعل الصدفة المقرون بفيض من الحماسة الثورية.
وزيادة في التوضيح نشير إلى أن الأسلوب الخشن من جانب وزير الخارجية الأميركية جون فوستر دالاس عند استكشافه طبيعة ثورة 23 يوليو، ثم عزوف الإدارة الأميركية عن تمويل جزئي أو بالكامل لمشروع بناء السد العالي، جعلا الرئيس جمال عبد الناصر يجد نفسه يلتقي مع الزعيم الهندي البانديت نهرو الثوري وفق عقيدتي المهاتما غاندي ورئيس وزراء الصين شو إن لاي، ثم تتسع دائرة اللقاء لتشمل المارشال تيتو والرئيس الإندونيسي سوكارنو ثم تكتمل المجموعة بانتساب الزعيم الأفريقي نكروما.
قامت تلك الحركة من خلال الجمع الرئاسي المشار إليه وكل لضرورة تخصه لتكون نداً لقطبي الحرب الباردة بمشروعيْها الأميركي الساعي إلى إنشاء أحلاف، والسوفياتي المتطلع إلى مواطئ أقدام في المنطقة العربية وفي كل من الهند وباكستان يواجه بها صين ماو تسي تونغ. ولأن الحركة لم تنشط في إطار استراتيجي بسبب كثرة التناقضات داخل الدول الأعضاء، فإنها بدأت بالتلاشي في حين صمدت علاقة سبقت حركة الحياد هذه بعشرات السنين، لأنها استمرت ماضياً، ثم حاضراً، قائمة على الرؤية المستقبلية التي تنأى عن التحديات، وكذلك عن الانفعالات التي تنشأ عن ظروف غير متوقعة.
وعند التأمل في صفحات تاريخ العلاقات بين دول المنطقة يستوقفنا الحرص من جانب القيادة السعودية عهداً بعد عهد على أن يكون الشرق الآسيوي في دائرة الاهتمام والتطوير، وعلى وتيرة متأنية.
وهذا ما جعل دولة ذات حضور بالغ التميز والفعالية في القرار الدولي وهي اليابان تغتنم مناسبة زيارة ولي العهد السعودي ومن قبْل جولته المثلثة على كل من باكستان والهند والصين لتؤكد موقفاً سبق أن عبَّرت عنه خلال زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز وكان زمنذاك كما الأمير محمد (ولياً للعهد وزيراً للدفاع) يوم الثلاثاء 18 فبراير (شباط) 2014. وهذا الموقف أوجزه رئيس الوزراء شينزو آبي بعبارة: «إن العلاقات بين بلديْنا تعود إلى نحو مائة سنة ونريد أن ننقل هذه العلاقات والصداقة بأيدينا إلى الجيل القادم».
وها نحن نرى الحفيد الأمير محمد (الذي كان رفيق والده في تلك الزيارة) بعد الذي رسمه الجد المؤسس وسار على هديه وخطاه الملوك الأبناء سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله - رحمة الله عليهم - وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، يؤكد المنحى الاستراتيجي للعلاقة مع الشرق الآسيوي ويحقق في الوقت نفسه ما عبَّر عنه رئيس الوزراء الياباني قبل 5 سنوات والذي هو لسان حال أهل الحُكْم في كل من باكستان والهند والصين، أي أن يعزز جيل الأحفاد ما بدأه الجد المؤسس وسار على خطاه الملوك الأبناء.
وعندما يلقى ولي العهد الأمير محمد استقبالاً يتجاوز طقوس البروتوكول في الدول الأربع المشار إليها، فهذا ليس فقط مجرد أصول ضيافة من جانب المضيف للضيف الزائر، وإنما لأن هذا الزائر صاحب رؤية تريد للعلاقة أن تزداد رسوخاً وتطوراً وبحيث يأخذ الجانب الاستراتيجي مداه، فلا يكون الإصغاء إلى ما يقوله نوعاً من المسايرة، وإنما اعتباره جوهر خريطة طريق اصطُلح على تسميتها «رؤية 2030».
يبقى استكمالاً لما نقوله الإشارة إلى أن هذا التجوال القاري لولي العهد لا تفرضه الحاجة إلى التحديات على النحو الذي سبق أن حدث مع عبد الناصر ورفاق حركة عدم الانحياز في الخمسينات. والتحدي بمعنى تعديل المواقف والشروط والالتزام بالوعود. ونقول ذلك على أساس أن العلاقة الاستراتيجية الجديدة مع الشرق الآسيوي سبقتْها علاقة بالمنظور الاستراتيجي نفسه رغم اختلاف طبيعة الأنظمة والسياسات المنتهَجة، مع الدول الأربع الكبرى الأعضاء محتكري العضوية الدائمة لمجلس الأمن، الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، وفي ضوء زيارات قام بها ولي العهد الأمير محمد إلى هذه الدول استكملت ملامح العلاقة الاستراتيجية بزيارات رداً على الزيارات.
في كل زيارة قام بها إلى دول الغرب الأميركي والأوروبي كانت هنالك خطوات وليدة اللحظة ولافتة للانتباه. ثم ها هو في زيارة الصين يختار على هامش الاتفاقيات التي تم إبرامها وتندرج ضمن الخط الاستراتيجي يهدي الأمة المليارية الصين ما تتمناه ضمناً وتتكتم على المجاهرة به، وهو أن ترى لغتها محكية ومكتوبة خارج حدودها كما سائر اللغات التي تحتكر هذا التميز مثل الإنجليزية والفرنسية، وتأمل بأن تنتشر هذه اللغة بموازاة انتشار الكم الهائل من المنتوجات التي تلقى الرواج في الأسواق ومنها السوق السعودية والخليجية عموماً.
ونجدها في سبيل ذلك تنشئ جيلاً من الدبلوماسيين يتكلمون العربية تبعثهم إلى دول المنطقة وكان أحدثهم السفير لدى لبنان. كما أنها بدأت تنفيذ برنامج لتعميم الثقافة الصينية في العالم العربي، وذلك بنشر مئات المؤلفات الصينية في شتى الموضوعات بعد ترجمتها إلى العربية. ثم يأتي الأمير محمد بن سلمان يوجه باعتماد اللغة الصينية لغة مضافة في المدارس السعودية إلى الإنجليزية والفرنسية. ومعنى ذلك أن جيل «رؤية 2030» أي بعد عشرين سنة وما يليه من أجيال سنراه يُلم باللغة الصينية ولا حاجة بعد ذلك إلى من يترجم وبالذات خلال السياحة في الصين، حيث يتطلع أهل الحُكْم إلى أفواج من السياح السعوديين يشجِّع على ذلك، إلا أن ولي العهد الأمير محمد أضاف الصين المليارية خلال زيارته كما إضافته الهند وتثبيت أساسات العلاقة مع باكستان وقبْلها اليابان إلى الفضاء الاستراتيجي، وبذلك فإن هذا التحول لن يذبل مع الوقت لأنه ضمن رؤية على نحو ذبول حركة عدم الانحياز التي كانت نظرة ظرفية اكتفت بالوهج السياسي من دون أن تأخذ في الاعتبار أن ما يُبنى فقط على السياسة يزول مع الوقت بزوال الرموز، فيما الصمود يحالف العلاقة الاستراتيجية، وهذه تنتقل من جيل إلى جيل.
وفي تقديرنا أن الإنجاز السعودي في رحاب الشرق الآسيوي وبالذات العلاقة مع الصين سيجعل روسيا تتأمل كيف أنها بالذي اعتمدته نهجاً في التعامل مع الموضوعيْن السوري بعد الإيراني قد تُمنى بعزلة في المنطقة مقابل قبول شعبي ورسمي للصين التي حققت بكثير من بُعد النظر المشترَك بينها وبين صاحب الرؤية المستقبلية العلاقة التي ستغدو مثالاً في أصول التعامل... والتي طالما كان يحتاجها عبد الناصر وأُولو حركة عدم الانحياز.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة