صراع على إرث بورقيبة

صراع على إرث بورقيبة

الأحد - 28 جمادى الأولى 1440 هـ - 03 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14677]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي
هل ستشتعل حرب بين أشقاء الأمس، بسبب ما أعلنت عنه كتلة الائتلاف الوطني الداعمة لرئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، عن ميلاد حزب «تحيا تونس»، الذي يتشابه في البرامج والأهداف وحتى المخططات، مع حزب «نداء تونس»، ولا يختلف عنه سوى في الشخوص، مما قد يكون مجرد استنساخ لتوأم آخر، وقد ينظر إليه على أنه بداية تشظٍ حزبي وتصفية للحسابات السياسية بين الجانبين.
هناك من يرى أنه انقلاب داخل حزب نداء تونس، لصالح أطراف أخرى، ولكن أياً كان التوصيف السياسي لما حدث من انشقاق أو شقاق أو انقلاب بين أشقاء وشركاء الأمس، فستكون نتيجته حتمية لصالح حركة النهضة، لأنها ستكون المستفيد الأوحد، لأن تشتت التيار المدني سيكون بالتأكيد لصالح الأحزاب والحركات الراديكالية، وخاصة التي لها آيديولوجيا وافدة من الخارج.
التشظي الحزبي والسياسي في حركة نداء تونس يأتي في ظل ظهور المنصف المرزوقي الرئيس الحليف السابق لحركة النهضة، مجدداً دعوته لإعادة التحالف مع الحركة، للعودة للمشهد السياسي، ولو من الباب الخلفي، في ظل مشكلات واتهامات تلاحق حركة النهضة، في ملف ما عرف بـ«الجهاز السري»، الذي كشف عنه مؤخراً.
فحركة النهضة، حليفة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، التي تلاحقها اتهامات بوجود هذا الجهاز، وهذا عبّرت عنها هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي، بالقول إنه «تم إطلاع رئيس الدولة على وثائق شديدة الخطورة، تؤكد أن لحركة النهضة جهازاً سرياً خاصاً». وكان آخرها ما خرج عن قصر قرطاج، وعبر عنه الرئيس الباجي قائد السبسي، بالقول: «أنا من موقعي رئيساً للجمهورية، بقطع النظر عن انتماءاتي الشخصية، أدعم الشفافية». مضيفاً أن «النهضة يجب ألا تخشى هذا التحقيق إذا لم يكن لديها ما تخفيه، ولا بدَّ أن نتأكد إن كان هناك ذراع سرية». الأمر الذي تنفيه حركة النهضة عبر كبار قادتها ومنهم الغنوشي، الذي وصفها بالباطلة، واعتبرتها الحركة كاذبة.
يحدث هذا في ظل تكرار الحديث عن الاتهام بوجود جهاز سري لحركة النهضة، يتهم بالتخطيط لعمليات اغتيال وتنفيذها، تجمع عليه بعض الأطراف، من بينها حزب التيار الشعبي وأمينه زهير حمدي، وهو حزب السياسي الراحل محمد البراهمي.
الصراع على إرث بورقيبة بين «نداء تونس» و«تحيا تونس»، في ظل وجود حركة النهضة ذات الفكر والتوجه الإخواني، والجميع يسعى إلى الهيمنة على الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يحمي أكبر قاعدة عمالية تونسية، يمكن أن يعول عليها في أي انتخابات قادمة.
ولكن هل تونس في حاجة لهذا التشظي والشقاق والصراع والانقسام بين القوى الوطنية المدنية، التي تحمل شعارات وأفكار الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، مؤسس تونس الحديثة، والذي يعتبر رمز حضارتها، خاصة أن تونس تعاني من مشكلات اقتصادية، ودعوات لإضراب عام لتحسين الوضع الوظيفي، طالت شرائح مختلفة، وتسببت في تعطيل الحياة العامة والاقتصادية خاصة، المتعثرة بسبب ضربات الإرهاب الموجعة، التي تلقاها قطاع السياحة التونسي، الذي يعتبر الرافد الرئيسي، ويكاد يكون الوحيد في جلب العملة الصعبة من خارج البلاد؟
والتحجج بكون الأحزاب وإعادة إنتاجها واستنساخها، ضرورة حتمية للعملية الديمقراطية، غير صحيح ومردود على أصحابه، فليس بالأحزاب وحدها تحيا الديمقراطية وتتحقق، فالأحزاب في الأصل هي تنظيم سياسي يسعى إلى بلوغ السلطة، وهي مجرد إحدى آليات ممارسة الديمقراطية، وليست الطريق والمسار الأوحد، الذي من دونه تصبح الديمقراطية باطلة، فمن الممكن قيام ديمقراطية ناضجة وسليمة من دونها ستكون خالية من الصراعات، فلعل ديمقراطية أثينا الأولى لم تعرف الأحزاب، فالديمقراطية من الممكن تحقيقها بالأحزاب ومن دونها أيضاً، كما أن الأحزاب ليست بالضرورة أن تكون إجهاضاً للديمقراطية كما ردد العقيد القذافي عبر ديمقراطيته الجماهيرية.
تونس وهذا التشظي الحزبي، في أحدث الأحزاب التونسية، التي وصلت لحكم البلاد بعد ما سمي «الربيع العربي» رغم عدم انزلاق تونس للفوضى كليبيا وسوريا واليمن، تبقى تونس الأكثر استقراراً سياسياً، ولكن في ظل مناخ الاتهامات المتبادلة حول استخدام قميصي شكري بلعيد ومحمد البراهمي، بالمتاجرة السياسية، التي يطلقها أعداء حزب تونس، سواء «النداء» أو «تحيا»، لن تخدم المواطن التونسي سواء كان العامل أو البطال.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة