خرافة نشر التغريب في المنطقة

خرافة نشر التغريب في المنطقة

الأحد - 21 جمادى الأولى 1440 هـ - 27 يناير 2019 مـ رقم العدد [14670]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي
أعلنت هيئة الترفيه في مؤتمرها الصحافي الذي أطلقه رئيس مجلس إدارتها تركي آل الشيخ عن حزمة من المشاريع، معها يمكن القول إن القطار تم وضعه على السكّة، حيث بانت الأهداف وتمت طمأنة الوجلين الخائفين. طوال نصف قرن نشط خطاب التحذير من «التغريب»، حيث قاد لواء هذه المعركة رموز من «الإخوان المسلمين» في مصر والشام وتقبلتهم السرورية و«القطبية» في السعودية، كتب أنور الجندي، ومحمد قطب، والصاوي، بالإضافة لخطب وتسجيلات ومحاضرات كانت تقصف بها البيوت من فوق الجدران، ومن أسفل الأبواب.
تعاضدت تلك الحملة مع وجود مجلات لها رواج كبير مثل: «البيان»، و«المجتمع»، و«الأسرة». الأهداف من تلك الحرب كالتالي: «نشر الهلع في قلوب المسلمين بأن ثمة حملة لتغريب المجتمعات، ومن ثم إخراج المرأة من عفافها، وصولاً لتحريرها، والخطر الأكبر في احتلال (العلمانيين) للتعليم ومؤسسات التوجيه». مزيج من الاغتباط الاجتماعي والتغافل السياسي سهل من انتشار ذلك الخطاب وامتلاء أدمغة المجتمعات الإسلامية به، وقد شاهد المجتمع بأكمله تحوّل المسلسلات، والمباريات، والأنشطة الفنية إلى أدوات للدعوة، تم تدجينها ضمن الأهداف الآيديولوجية الكبرى، ولم يكن السياسي بوارد حرب مع أولئك بسبب تداعيات أحداث جهيمان عام 1979 وما تلاها.
في التسعينات انتشر على نطاق واسع أحد أخطر الكتب وأكثرها تأثيراً على الجيل بعنوان: «واقعنا المعاصر» لمحمد قطب، كتاب ضخم تطرق بشكلٍ خاص لمحاولات تغريب المجتمعات الإسلامية. المنظّر الإخواني الكبير كان يقيم في مكة، ولديه زواره من الحركيين الأصوليين من الداخل والخارج. لم يتوقف الأمر عند توزيع الكتاب ونشره بسعرٍ زهيد، وإنما في طبع الفصل المتعلق بالمرأة بكتيبٍ مستقل تحت عنوان: «تحرير المرأة» تضمن سيناريوهات مجنونة ومخططات لم توجد إلا في الأذهان.
سطا الكثيرون على كتاب محمد قطب في المحاضرات والندوات والكتيبات، وبالطبع لم تعرف الصحوة أسس «الأمانة العلمية»، فالكل يسطو على الكل، حتى إن شريطاً للحداثة باسم أحدهم تحوّل نفسه إلى كتابٍ باسم آخر، وحتى الآن تعتور نتاجات الصحوة ورموزهم ثغرات كبرى في الأمانة العلمية، لأنهم يقولون إن الهدف هو الدعوة إلى الله بغضّ النظر عن الذي طرح الحقيقة الشرعية من هو اسمه وما هو رسمه.
الضرب الذي تعرض له المجتمع بسياط الصحوة المتطرفة بقيت آثاره حتى الآن، التوجس من كل جديد، الخوف من غول التغريب وهجر المجتمع للشريعة. هذا الهوس يجب أن ينتهي، وبالفعل فإن المشروع الترفيهي الذي طرح مؤخراً تكامل بتلبية كل أذواق المجتمع، ليس الهدف تحويل المجتمع إلى ثلاثين مليون موسيقار، ولا إلى ثلاثين مليون داعية، بل لجعل المواطنين مرتاحين تتوفر لهم كل الخيارات، من شاء ذهب إلى أي منها، سواء الدعوة وفنون الأذان والتلاوة، أو التدرب على المغامرات، أو الغوص بالفنون وجماليات الموسيقى والسينما.
بعد إعلان مشروع الترفيه نشطت خلايا مدمرة، مدعومة من قوى إقليمية شريرة، ومن القتلة والمأجورين والسفاحين من أنظمة وأذرع إرهابية هدفها تشويه السعودية ومرحلتها التنموية الحالية، دفعت بآلاف الرسائل على الأجهزة الكفية، ظاهرها فيها الخوف على الدين، وذرف الدموع، وادعاء حراسة الفضيلة والحق، وباطنها الإخلال بالأمن القومي السعودي، ومحاولة الإساءة إلى المملكة العربية السعودية وقيادتها، وكل هذه يجب أن يواجه بوسيلتين؛ الأولى، وعي المجتمع بالخطر هذا، ولست أدري أين هي المؤسسات الحوارية والثقافية عن نشر مثل هذا الوعي بالمعركة التي نخوضها ضد العدو القريب والآخر البعيد؟! والثاني: من خلال التأكيد الدائم على أن الشريعة محفوظة مرعية، وليس صحيحاً أن هناك مخططات تغريبية، بل الهدف «أن نعود إلى ما كنا عليه» كما يؤكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث نعود إلى البراءة الأصلية، ومناطق المباح الأساسية في الشريعة بدلاً من ثقافات الموت.
نعم ثمة دعاة على أبواب جهنم يشككون الناس في المشاريع التنموية، والانطلاقات الفكرية، علينا أن نواجه حربهم بحربٍ مضاعفة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة