أسوأ أدوار كاريوكا

أسوأ أدوار كاريوكا

الأحد - 20 جمادى الأولى 1440 هـ - 27 يناير 2019 مـ رقم العدد [14670]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
بالجلابية دخلت الست تحية إلى استوديو التلفزيون الفرنسي لتشارك في سهرة رمضانية. شعرها ملموم بمنديل «أبو أوية» وفي معصميها أساور الذهب. في غرفة الماكياج، قبل التصوير، فوجئت الخبيرة بالمرأة السمينة واثقة الخطى. قيل لها إنها مدام كاريوكا، الراقصة الأشهر في تاريخ مصر. اسم لم تسمع به من قبل. لكنها عندما انتهت من مهمتها قالت لصحافية حضرت التسجيل: «لم أتعامل، طيلة حياتي في المهنة، مع وجه مثل هذا الوجه، تركض الفرشاة فوقه بدون عناء». هل كانت الفرشاة تشرب ثمالة جماله؟
كنا في ربيع 1992. وتحية كاريوكا في الثالثة والسبعين. سارت نحو الكرسي المخصص لها أمام الكاميرات فخطفت الأضواء من كل الموجودين. جلست مثل مليكة متوجة بتاريخها. وتحدثت بفرنسية طليقة وهي تبتسم نصف ابتسامة. تولى فريديريك ميتران تقديمها للمشاهدين فاتسعت ابتسامتها. قال إنها مَعْلَم من معالم القاهرة وهرم من أهرامات الفن. في رصيدها 100 فيلم سينمائي. انفرجت شفتاها عن أسنانها وضحكت وبانت غمازتاها. لقد أخطأ معد البرنامج في الحساب. كان مجموع أفلامها حتى أوائل الثمانينات قد بلغ 180 فيلما. وهي لن تحاسبه على السهو والغلط. لن تلفت نظره إلى مسرحياتها. ولا إلى ذلك الجانب الآخر من نشاطها، يوم كانت تشتغل بالسياسة، تنقل المنشورات السريّة وتحمل اسماً حَرَكياً: الرفيق عباس.
هربت بدوية محمد علي النيداني كريم من الإسماعيلية إلى القاهرة. كان شقيقها يربطها بالسرير لكي يؤدبها فلا ترقص. عملت في ملهى بحديقة الأزبكية ثم استقرت في كازينو بديعة. صار اسمها تحية كاريوكا. ولو امتد بها العمر لبلغت، الشهر المقبل، المائة عام. مضت وتركت لمحبيها شقاوة صوتها وشهرتها كفنانة قادرة على الرقص في شبر مربع. هي ليست مثل بهلوانة السيرك نعيمة عاكف. ولا مثل الفراشة الطائرة سامية جمال. ولا مقارنة بينها وبين الدينامو نجوى فؤاد. لكنها الراقصة التي يتحرك فيها ما قلّ ودلّ، مكانك سرْ.
لفتت الأنظار إليها يوم رقصت في حفل زفاف الملك فاروق، 1936. وهو الحفل الذي غنّت فيه أم كلثوم. ومن عرس ملك مصر تحولت تحية إلى النضال في صفوف اليسار. انتمت لرابطة السلام الموالية لموسكو ودخلت السجن في عهد عبد الناصر وجاملت السادات. اعتزلت العمل في الملاهي وتفرغت للسينما. وبعد «خلّي بالك من زوزو» لم تعد ترقص كثيراً. اكتنز غصن البان وصار شجرة. لكنها لم تهجر السياسة. وفي 1988 سافرت إلى أثينا مع مجموعة من المثقفين للمشاركة في «سفينة العودة». نسف الإسرائيليون السفينة وهي في الميناء، وظلت فلسطين وراء الضباب. ولما اعتصم الفنانون المصريون بمبنى نقابتهم، احتجاجاً على انتخاب نقيب، شاركتهم الاعتصام والامتناع عن الطعام. وكتب زميل خفيف الروح أن أسوأ أدوار تحية كاريوكا هو دور المُضربة عن الأكل.
تزوجت 14 مرة. وبهذا تفوقت على إليزابيث تايلور بست نقاط. ولما التقاها المفكر الفلسطيني إدوار سعيد في القاهرة اشتكت له من أزواجها. قالت إن بعضهم كان ابن حرام. أرادت العيش في أطيب الحلال لكن نصيبها كان أبغضه. عاشت 80 عاماً ورحلت خفيفة مفلسة. وقال عنها المنتج مجدي العمروسي إنها كسبت كثيراً وأنفقت كثيراً وتوفيت وهي لا تملك شيئاً. وقفت بجانب زملائها الفنانين وكانت حاضرة في الشدائد. غنى عبد الحليم حافظ، في بداياته، على مسرح الشاطبي في الإسكندرية وفشل أمام الجمهور. كانت تحية حاضرة وتعاركت مع متعهد الحفل. حاولت إعطاء حليم 5 جنيهات. شكرها ولم يأخذها‏ وذهب ليصبح العندليب الأسمر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة