عبر ودروس من تاريخنا

عبر ودروس من تاريخنا

الثلاثاء - 9 جمادى الأولى 1440 هـ - 15 يناير 2019 مـ رقم العدد [14658]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
كان من الطبيعي أن الرئيس أنور السادات بخيار السلام الثنائي مع إسرائيل الذي فاجأ به الأمة بدءاً بالإعلان يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979 في خطاب أمام البرلمان وبحضور الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عن أنه مستعد للذهاب إلى القدس، وانتهاءً بالاتفاقية التي أبرمها يوم 17 سبتمبر (أيلول) 1978 مع مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي التاسع والثلاثين جيمي كارتر وعُرفت «اتفاقية كامب ديفيد»، أن يحوِّل تقليد القمم العربية إلى وقفات عقابية لمصر بعدما كانت دائماً وقفات إيجابية لمساندتها... وبالذات في الفترة بين هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967 التي مُني بها عبد الناصر وحرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 التي حقق فيها السادات نصراً نوعياً ما كان لولاه أن يزور القدس يوم السبت 19 نوفمبر 1979، ويخطب في الكنيست، ثم يضع لاحقاً توقيعه على اتفاقية السلام إلى جانب توقيع مناحيم بيغن، ويعلن أن حرب 1973 هي آخر حروب مصر مع إسرائيل.
كان القادة العرب الذين التقوا في قمة استثنائية في بغداد من 2 إلى 5 نوفمبر 1978 متعجلين في ما اتخذوه من قرارات رداً على الفعل الساداتي، وبعضهم وافق على مضض، وقيل نتيجة تلويح ثوري بما هو أعظم. ولم تقتصر القرارات على عدم الموافقة على اتفاقيتي «كامب ديفيد» ودعوة الرئيس السادات إلى العودة عنهما، وإنما نقْل مقر الأمانة العامة للجامعة من القاهرة إلى تونس وتعليق عضوية مصر وتطبيق قوانين المقاطعة على الشركات والأفراد المتعاملين في مصر مع إسرائيل. ومع أن القرار ميَّز بين ما فعله النظام وبين الشعب فإن الاكتفاء بقرار رفْض الاتفاقيتيْن وترْك مسألة نقْل مقر الأمانة العامة للجامعة إلى قمة لاحقة كان ربما أفضل. ونقول ذلك على أساس أنه لم تُترك للرئيس السادات فرصة مناقشة الأمر وربما التوصل مع القادة العرب إلى صيغة ما. كما أن عدم تعبير السادات في تعليقه على قرار تعليق العضوية ونقْل مقر الأمانة العامة للجامعة إلى تونس على النحو الذي صدر عنه، كان هو الآخر بدوره أفضل. وللتذكير فإن تعليقه تمثَّل بعبارة «خدوها. مصر مش عايزة الجامعة هذه»، ثم يضيف مستنداً إلى وقوف «سودان جعفر نميري» معه عبارة «أنا والسودان نصف الأمة العربية». وتلك حِسْبة تبيَّن أنها غير ذات جدوى لأن ما اتخذتْه «قمة صدَّام حسين» من قرارات كانت مربكة لمصر، إنما ليس بمقدار الألم الذي أخذ طريقه إلى نفوس أبناء الأمة من المحيط إلى الخليج.
بعد «قمة صدَّام حسين» التي كانت التاسعة في مسلسل القمم العربية، توالت قرارات تأكيد المضمون العقابي والتمني أن يلغي السادات ما اتخذه من خطوات رغم أنها باتت من النوع الذي لا رجعة عنه. وفي كل قمة بين التاسعة الاستثنائية في بغداد والقمة في عمان (من 25 إلى 27 نوفمبر 1980) كان القادة العرب يحاولون كلٌّ بنسبة متفاوتة ترطيب جفاف قرارات تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية ونقْل مقر الأمانة إلى تونس. وجاء قرار «قمة الملك حسين» تستنبط «فتوى سياسية» تريح الجميع عدا «ليبيا معمَّر القذّافي» و«سوريا حافظ الأسد»، حيث إنهما حرَّما ما أفتت به القمة وتم تثبيته بالنص الآتي: «إن أصحاب الجلالة والسيادة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية المجتمعة في إطار مؤتمر القمة العربي غير العادي المنعقد في عمان من 8 إلى 11 نوفمبر 1987 قرروا بعد دراسة مستفيضة وأخوية أن العلاقة الدبلوماسية بين أي دولة عضو في الجامعة وبين مصر عمل من أعمال السيادة تقرره كل دولة بموجب دستورها وقوانينها وليست من اختصاصات الجامعة العربية».
ربما كانت فاجعة الحرب اللبنانية هي الدافع إلى إعادة نظر متدرجة في قرار الابتعاد عن مصر، وربما الاقتناع بأن ما هو مطلوب من مصر، أي إلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل، غير وارد التنفيذ لتعقيدات دولية... فضلاً عن أن الرأي العام المصري أبدى نسبة ملحوظة من القبول وإنْ على مضض بخطوة السلام التي اتخذها الرئيس السادات. ونقول ذلك مع الأخذ في الاعتبار النقطة الأهم، وهي أن مسبب الخطوة المؤلمة بات في ذمة الله، حيث قضى اغتيالاً يوم 6 أكتوبر 1981، عندما كان يحتفل بذكرى حربه التي استند إلى إنجازاتها في الجنوح نحو السلام مع إسرائيل. وما دام السادات قضى اغتيالاً فليكن القرار العقابي مقضياً بصيغةٍ ما عليه، ومباشرة التعامل مع الرئيس حسني مبارك. ومن هنا جاءت «فتوى» القمة العربية في عمان التي تركت لكل دولة سبق أن شاركت في «قمة صدَّام حسين» عام 1978 العودة بموجب «قمة الملك حسين» بعد تسع سنوات عقابية، عما سبق اتخاذه... وبصرف النظر إذا كان ذلك عن اقتناع أو تحت وطأة مناخ ثوري ثأري ضد مصر الساداتية.
رحل السادات في واقعة لم تتضح خفاياها وربما يبقى هذا الوضوح في عِلْم الإضبارات السرية، وبدأت مصر السير على الخط نفسه بعد رحيل السادات وتسلُّم نائبه حسني مبارك مقاليد الرئاسة. وقبْل بضعة أشهر من «فتوى» القمة التي استضافها الملك حسين، كانت للمملكة العربية السعودية المتفهمة ظروف «مصر السادات» والمهتمة باستقرار العهد الوريث، لفتة أخوية المعنى ونخوية التصرف. وهذه تمثلت ببرقية تلقَّاها الرئيس مبارك من الملك فهد بن عبد العزيز (رحمة الله عليه) ونشرتْها الصحف السعودية الصادرة يوم 9 يوليو (تموز) 1986، وذلك بهدف أن يَطَّلع عليها أبناء الشعب السعودي بمثل اطلاع الشعب المصري عليها. كانت البرقية بالنص الآتي: «صاحب الفخامة الأخ الرئيس حسني مبارك حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحية أخوية مقرونة بأطيب التمنيات. وبعد، وبمناسبة انتهاء الموسم الزراعي في المملكة العربية السعودية لهذا العام، يسرني أن أقدِّم نيابة عن شعب المملكة لجمهورية مصر العربية مائتي ألف طن من القمح السعودي، وهي هدية تعبِّر عما تكنه المملكة العربية السعودية من تقدير واحترام لجمهورية مصر العربية بقيادتكم الحكيمة. ودمتم في حفْظ الله. فهد بن عبد العزيز».
كانت الهدية المعنوية جزءاً من محصول المملكة من القمح المحلي في عام 1985، والذي بلغ مليوناً وثلاثمائة ألف طن، منها مائة وخمسون طناً احتياطياً. هدية القمح تزامنت مع كلام تبادله الملك سلمان بن عبد العزيز (أمير الرياض زمنذاك) مع الرئيس مبارك، وذلك لمناسبة قدومه إلى القاهرة لافتتاح معرض «المملكة العربية السعودية بين اليوم والأمس» يوم 17 يونيو 1987 وبحيث يدوم 12 يوماً (ضعف المدة لما كانت عليه خلال دورات المعرض في كلٍّ من ألمانيا ولندن وباريس). ففي تصريحه الأول عند وصوله إلى القاهرة قال: «إن الشعب المصري في مقدمة الشعوب العربية وإنه من الواجب، اعترافاً بدور الشعب المصري ومساهمته الفعالة في إمداد السعودية بالخبرة والأيدي العاملة في كل المجالات، أن يرى الشعب المصري بنفسه إنجازات شقيقه السعودي». وبعد استقباله للصديق التاريخي العريق لمصر سلمان بن عبد العزيز قال الرئيس مبارك أمام الصحافيين والإعلاميين إنه بحث معه العلاقة الثنائية بين البلديْن والوضع في الخليج. وعندما لاحظ الرئيس أن هؤلاء يريدون منه المزيد وبالذات حول عودة العلاقات المصرية – السعودية إلى دفئها قال لهم «إن العلاقات بين مصر والسعودية علاقات طبيعية أصيلة وجذورها قوية. وطوال عمرنا نتعامل، والسفراء موجودون. نروح ونيجي... والسفير ربما لا يعرف».
هدية القمح المقرونة بكلام طيِّب وبمفردات من الود تبادلها مبارك وسلمان بن عبد العزيز، لا بد كانت - إذا جاز القول - التمهيد المتأني لما تم اتخاذه في «قمة الملك حسين». وبعد ذلك بدأت الخطوة المتأنية للعودة المتبادلة بين أكثرية الدول العربية ومصر، باستثناء ليبيا القذَّافية وسوريا الأسدية اللتيْن سجَّلتا اعتراضهما على قرار إعادة العلاقات الثنائية الذي ثبّتْنا نصه، وحجتهما في ذلك «أن القضية قومية، والقرار قومي، والأسباب التي أدت إلى قطْع العلاقات لم تزل قائمة، وأن ذلك سيؤدي إلى قيام بعض الدول العربية بافتتاح سفارات لها في القاهرة التي يرتفع فيها العَلَم الإسرائيلي فوق سفارة العدو...».
طُويت صفحة تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية. واستأنفت جميع الدول العلاقات بما في ذلك سوريا وليبيا لاحقاً. قد تكون عدم مشاركة حسني مبارك في زيارة القدس وفي محادثات «كامب ديفيد»، من عناصر إعادة النظر العربية، وربما لتفهُّم الجميع وبنِسَب متفاوتة قول الرئيس مبارك لنا نحن، عدداً من الإعلاميين والمراسلين الأجانب: «لقد قلت للقادة العرب والمسلمين الذين طالما فاتحوني بأمر إلغاء معاهدة (كامب ديفيد) وبذلك ينتهي أمر تعليق عضوية مصر وتعود الجامعة إلى القاهرة وكذلك العلاقات على نحو ما كانت عليه دائماً طيِّبة، أنا لن ألغي معاهدة (كامب ديفيد) لأن إلغاءها يعني إعلان الحرب على إسرائيل. والقادة العرب يتفهمون موقف مصر. سألتهم هل إذا حاربت مصر إسرائيل تقفون معها؟ كلهم قالوا لي: لا نستطيع. مَن يحارب إسرائيل معنا؟ العراق مشغول بحرب الخليج. وسوريا متآمرة مع إسرائيل (يومها كان هذا رأيه في موقف الرئيس حافظ الأسد). ودول الخليج متخوفة من التهديد الإيراني. مَن يبقى إذاً؟ الجزائر على بعد ألوف الكيلومترات. لا أحد. لا أحد. حتى المساعدات العربية غير مضمونة. إذاً إلغاء المعاهدة معناه تدمير كل شيء، وهذا ما تريده إسرائيل. أنا مهمتي الآن بالتحديد هي: حل مشكلة الديون واستكمال خطة إعادة البنية التحتية لمصر، والحفاظ على الديمقراطية والحريات والقانون. وعندما تتخلص مصر من مشكلاتها لنا كلام آخر. أما قبْل ذلك فأنا غير مستعد للانتحار، وإذا أراد أحدكم إلغاء اتفاقيات (كامب ديفيد) فليبحث له عن رئيس آخر غيري...».
هذا ما حدث لاستعادة مصر إلى مكانها ومكانتها بعد عقاب غير مسبوق كان مؤلماً عند اتخاذه. وكانت إعادة النظر أكثر إيلاماً لأن السبب الموجب بقي على حاله. وفي هذه الحال تتقدم الحنكة والحكمة على مشاعر الغضب ويبدأ التشاور في الذي هو آتٍ.
ما يخص سوريا البشَّارية يختلف. هنا مسؤولية الشعب السوري في المحاسبة تبدأ من حيث أعاد القادة العرب النظر في قرارهم العقابي. كما هنا اختبار نيات الرئيس بشَّار الأسد ومواقفه، وهل سيحاسب نفسه لخروجه على المبادرة الحكيمة من جانب الملك عبد الله بن عبد العزيز في القمة الاقتصادية في الكويت، يناير (كانون الثاني) 2009، وبذلك يرى السلامة والأمان في فضائه العربي على نحو ما انتهجه حسني مبارك طوال ثلاثة عقود من الترؤس؟
لا إجابة حاسمة قبل الاختبار... والاعتذار من الشعب السوري وبالذات بضعة الملايين الهائمين الذين لا ذنب لهم ولا مطالب سوى أن يتأمل الرئيس الحاكم في ما فعله بسوريا. والله المنجِّي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة