اقتصاد الطماطم والإسمنت

اقتصاد الطماطم والإسمنت

الخميس - 4 جمادى الأولى 1440 هـ - 10 يناير 2019 مـ رقم العدد [14653]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
كنت في حديث مسائي فريد من نوعه، فلقد كانت أمسية شتائية بامتياز تمتعنا فيها بالجو البارد الذي حل بعد طول غياب وحوار بسيط ممتع.
كنت في حضرة صديق من كبار رجال الأعمال لم ألتقه منذ وقت طويل جدا، ومعنا سائقه الخاص وهو من الأشقاء العرب.
وسألني صديقي السؤال الافتتاحي: ما آخر أخبار الوضع الاقتصادي؟ فتدخل السائق بقوله: أنا رجل بسيط جدا، والاقتصاد موضوع معقد وكلماته صعبة ولذلك أتبع أسلوبا خاصا وبسيطا أفهمه، وهو متابعة سعر الطماطم (البندورة أو القوطة بحسب ما تلفظ) فإذا كانت أسعارها مستقرة فالوضع بالتالي مطمئن، وإذا كان العكس فالوضع مقلق ومخيف، والسبب في ذلك أنها أساسية في الطهي وتدخل في مكونات متعددة من مقادير الوجبات، بالإضافة إلى أنها مزروعة ومنتجة محليا، فإذا زاد سعرها فمعنى ذلك أن هناك زيادة في الأسعار في أشياء أخرى مختلفة.
تأملت قليلا في كلام الرجل وتذكرت «مكانة» الطماطم التاريخية في ثقافات دول حوض المتوسط، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا، الذين يعتبرونها أم الخضراوات، بل إن بعض المناطق في إيطاليا كانت تقدمها لأهميتها في المطبخ بشكل عام. وفي العالم العربي حاول أحد الاقتصاديين تأسيس مؤشر الطماطم الاقتصادي لقياس معدلات التضخم. حتى المطرب الشعبي المعروف شعبان عبد الرحيم تفاعل مع قفزات الطماطم السعرية وغنى أغنيته المعروفة «مجنونة يا قوطة»، وهناك تدخل صديقي وقال أنا أيضا لدي أسلوبي الخاص لقياس الوضع الاقتصادي، وهي تعتمد على قراءة وضع شركات الإسمنت، لأن معدل الإنتاج وبيع وربحية شركات الإسمنت له علاقة بالحراك الخاص بشركات المقاولات المرتبطة بشكل مباشر بحراك شركات التطوير العقاري، وطبعاً جميع شركات مواد البناء والحديد والمفروشات والإضاءة والسيراميك وغيرها. إنها سلسلة منافع أشبه بالأواني المستطرقة، المنفعة تجر الأخرى.
وهذا يوضح أن لكل طبقة قدرتها على وضع «معيار» اقتصادي يناسبها لفهم وإدراك مادة معقدة جدا. سواء أكان الطرح المنشود «شعبويا» أو «نخبويا»، المهم هو تحقيق عملي لمفهوم تبسيط المعنى. وتمعنت في النهج الذي تتبعه الدول في إدارة مواردها المالية، خصوصا في تحضير وإعداد وإطلاق موازناتها المالية، وأدركت أن هناك مدرستين في عمل ذلك الأمر المهم.
المدرسة الأولى هي اتباع أسلوب المحاسبة، والمحاسبة المالية تقدم بشكل أساسي مجموعة من أرصدة وحركة الأرقام والبيانات المالية عن مدد قديمة، وتقوم بتقسيمها بشكل مهني بحسب مقاييس ومعايير احترافية معترف بها دوليا، يجعل من إمكانية تحليل ما يقدم والمقارنة على قاعدة علمية مسألة قابلة للتحقيق.
وهناك مدرسة ثانية مختلفة تماما، وهي مدرسة الاقتصاد، فهي تعتمد على معايير مختلفة لأنها مبنية على مبدأ وفكرة الندرة المالية بشكل نسبي طبعا، ومحاولة فهم وتقديم أنجع الافتراضات والحلول لمسألة عدم توفر الموارد التي تغطي المطلوب بشكل فعال وعملي، وهذا يعني ترسية مبادئ المفاضلة والاختيار بحسب الضرورة والأولويات في حدود الحقائق الاستهلاكية والإمكانيات الاستثمارية.
المحاسبة المالية مسألة مطلوبة لقياس الأداء المالي «السابق» ولكن من دون حصافة اقتصادية فلن يكون بالإمكان تقديم نظرة مستقبلية تمكن صانع القرار من البناء ولا المتلقي من أن يقتنع. هناك توازن دقيق ومطلوب للقيام بأي خطة تنظيم مالي للفرد أو الشركة أو الدولة، وهو توازن المحاسبة والاقتصاد، ومتى طغى أحدهما على الآخر اختلت، فتكون إما غير واقعة أو غير ممكنة، وفي الحالتين تبقى غير لازمة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة