ما تريد وما يريد الناس

ما تريد وما يريد الناس

الأربعاء - 3 جمادى الأولى 1440 هـ - 09 يناير 2019 مـ رقم العدد [14652]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي
يعتقد توماس ناجل، الفيلسوف الأميركي المعاصر، أن السؤال المحوري للفلسفة السياسية، هو سؤال: كيف نعيش معاً في مجتمع سليم؟ هذا السؤال المغالي في التبسيط، يراه ناجل من أكثر الأسئلة عسراً في تاريخ الفلسفة والأخلاق. ومن هنا فقد بدأ كتابه الشهير «المساواة والتحيز» بالإقرار بأن محور اهتمامه هو تفصيح السؤال وتوضيح إشكالاته، وليس التوصل إلى جواب.
المسألة على النحو التالي: كل فرد يسعى إلى الحصول على ما يراه حقاً له أو مفيداً لحياته. لكن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل ضمن نظام اجتماعي يفرض على أعضائه الالتزام بأعرافه وشبكة علاقاته الداخلية، مقابل حصولهم على ما يحتاجون إليه. نعلم أن حاجات الأفراد تنطوي على بُعدين: بُعد مادي يتعلق بها فقط، مثل قيمتها المالية، وبُعد اجتماعي هو جزء من شبكة العلاقات الاجتماعية، مثل كونها خدمة عامة أو خاصة، كونها مسموحة أو ممنوعة، كونها محل ترحيب أو معارَضة من جانب بقية أفراد المجتمع... إلخ.
كي تحصل على ما تريد يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الجانب الشخصي في المسألة، أي قرارك الخاص، كما تأخذ الجانب غير الشخصي (الاجتماعي أو القيمي مثلاً).
في العلاقة بين الناس تظهر دائماً هذه المعادلة الحرجة: ما تراه حقاً أو صحيحاً أو سائغاً، قد يراه بقية المجتمع أو شريحة مؤثرة فيه باطلاً أو خطأً أو غير مقبول. أبسط الأمثلة هنا ارتداء الملابس التي تحبها لكن المجتمع لا يحبها.
يمكن للإنسان أن يتنازل دائماً عن أي مطلب لا يرتضيه المجتمع. عندها سيكون في سلام مع الناس. لكنه لن يكون سعيداً. لأنه ببساطة لا يحقق ذاته في أي شيء. كما يمكن العكس: أن تفعل كل ما يحلو لك حتى لو غضب الناس منك. عندها ستكون غريباً أو نشازاً في محيطك. وهذا بدوره يحرمك من فضائل الحياة الاجتماعية.
ربما يقول قائل: إن الحل في التوسط. أي أن تقبل بعض ما يريده المجتمع، وتصر على بعض ما تريده. وهذا حل سهل في الكلام. لكنه عسير جداً في التطبيق الواقعي. لأنك لا تستطيع وضع حد دقيق بين ما يستحق أن تتنازل عنه، وما يجب أن تصر عليه. كما أنك لا تضمن أن المجتمع سيرضى بالقدر الذي تراه مناسباً.
النقطة الأكثر حرجاً، هي حقيقة أن حاجات الفرد تتغير مع مرور الزمن. ومثلها اهتمامات المجتمع ونظام علاقاته الداخلية. ولذا فإن ما يحصل عليه الفرد من رضا أوّلي، يبقى مؤقتاً، حتى تتغير حاجاته أو اهتمامات المجتمع.
دعْنا نأخذْ مثلاً باختيارات الأفراد الأخلاقية. يريد الفرد أن يلتزم بنظام المرور في مجتمع لا يقيم وزناً لهذا النظام، أو يريد أن يحافظ على سلامة البيئة في مجتمع لا يعرف البيئة إلا كمادة استمتاع واستهلاك. ومثله الفرد الذي يلتزم بقواعد النزاهة في العمل في مجتمع يَعتبر الواسطة والشفاعة أموراً محببة ودليلاً على «المرجلة». في حالات كهذه سيجد الفرد نفسه بين خيارات حرجة، بين أن يحافظ على خياراته الأخلاقية، أو يحافظ على علاقاته الاجتماعية.
هذه الأمثلة، والعشرات من أمثالها، تكشف أن السؤال المغالي في التبسيط، ليس بسيطاً في الحقيقة. لهذا أرى أن توماس ناجل كان على حق، حين قال إنه لا يملك الجواب. لأن الجواب ليس سهلاً على الإطلاق، وربما لا يكون موجوداً أصلاً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة