معارض الكتاب: ناقصة!

معارض الكتاب: ناقصة!

الخميس - 25 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 03 يناير 2019 مـ رقم العدد [14646]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
ما زلت أعتقد جازماً أن دور النشر في العالم العربي (ومعها بالتالي معارض الكتاب) هي أهم النوافذ الموجودة اليوم، والجهد الذي تقوم به لنشر الأفكار المفيدة والإبداعية في وجه أدوات التشدد والانغلاق يبقى محل تقدير واحترام لمن يفهم.
أتابع بلهفة حراك معارض الكتب هذه الأيام، وأراقب الصراع المستمر بين الرقيب والناشر، وأساليب العرض من «تحت الطاولة» لبعض العناوين المثيرة للجدل إذا لم يستطع فيقوم بتدبير إرسالها لك «بطريقته»، وفي أسوأ الظروف «ادفع القيمة وستصلك نسخة إلكترونية من الكتاب على البريد الإلكتروني أو عبر وسيلة التواصل الاجتماعي المعروفة بـ(الواتساب)». وهذا يفتح موضوع «استباحة» حقوق الملكية الفكرية من قبل دور النشر، وعدم مواجهة الحكومات العربية لهذا الاختراق بشكل جدي والتعامل مع ذلك الأمر على أنه مخالفة صارخة جداً للقانون.
في أحد معارض الكتاب الأخيرة شاهدت أكثر من ثماني دور نشر مختلفة جميعها تدعي وتصر على أنها الناشر «الحصري» لمؤلفات الأديب التشيكي العالمي فرانز كافكا على سبيل المثال، ومن الواضح أن هناك خللاً جسيماً فيما يخص تطبيق القانون والنظام هو الذي يسمح بحدوث هذا النوع من المخالفات والتجاوزات. وهذه الثغرة الواضحة هي أحد أهم أسباب غياب الكتاب عن المشهد الثقافي عربياً، فحماية ملكيات الكاتب (المؤلف عموماً بكل صوره) تبقى معضلة أخلاقية قبل أن تكون إشكالية قانونية. أتذكر حادثة حصلت مع أستاذ في مدرسة ابني نصحه بشراء برامج مقلدة للكومبيوتر وعندما واجهته بما فعل قال لي: «الحق علي لأني كنت أرغب أن أوفر عليك مبلغاً كبيراً من المال».. هذا الأستاذ لم يرَ «بأساً» و«ضرراً» في الاعتداء على ملكية الآخر وسرقة جهده وتعبه طالما كان التبرير هو أنه يفعل ذلك من باب «التوفير»، وطبعاً أضاف لحديثه اللمسة السحرية المطلوبة بقوله: «الضرورات تبيح المحظورات».
معارض الكتاب ليست واحدة في العالم العربي، فمساحات الحرية لا تزال متباينة ومتباعدة جداً، ولا يمكن اعتبار حجم المبيعات مقياساً للنجاح ولكنها ولا شك اليوم هي فرصة لقياس الحراك الإبداعي سواء في الروايات والنقد الفكري بجوانبه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهناك تطور في مساحات المسموح هو أشبه بالمد والجزر، وتبقى هذه المساحة «المسموحة» أشبه بالفقرة الكوميدية التي يبرر فيها الموظف المسؤول عن الرقابة دوره وسبب بقائه في منصبه الذي هو فعلياً لم يعد له معنى ولا مبرر في ظل حرية التنقل التي تكفل إمكانية حضور معارض أخرى، وفي ظل الإمكانيات التقنية التي تمكن المتلقي من اختراق المواقع والحصول على أي مضمون سواء أكان ذلك مكتوباً أم مرئياً.
المسألة تتخطى فرحة مهرجان ومعارض للكتب... إنها لحظة نادرة للاحتفاء بحرية الرأي والإبداع، وهي اللحظة التي تجعل الشعوب مختلفة ومتوهجة لتفهم الآخر وتبني معه جسور الثقافة والتواصل وكسر الحواجز والأسوار بدلاً من التقوقع خلفها وفي داخلها.
مهرجانات ومعارض الكتب مناسبات مفرحة ولكنها تبقى استثنائية لأنها حالة خاصة وليست عامة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة