سوريا... الحلول الواقعية وتأهيل النظام

سوريا... الحلول الواقعية وتأهيل النظام

الأحد - 21 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 30 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14642]
عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة
الثابت في السياسة هو التغيير، والثابت في المصالح هو التقلّب، والذي لا يتغير وسط أمواج السياسة العاتية يغرق، ويفقد مصالحه وأهدافه بالتصلّب غير المجدي، وقد تحوّلت الأوضاع في سوريا والمنطقة كثيراً عمّا كانت عليه قبل سنواتٍ.
كانت الأرض السورية منطلقاً لحربٍ باردة جديدة خاضتها القوى الكبرى في العالم على مدى سنواتٍ سبعٍ، كسب فيها البعض وخسر البعض الآخر، وكان الشعب السوري المغلوب على أمره أكبر الخاسرين في حربٍ مجنونة اختلطت فيها الأوراق بشكلٍ غير مسبوقٍ في منطقة الشرق الأوسط.
لم يعد الحديث سراً عن اتجاه عددٍ من الدول العربية لمحاولة إعادة تأهيلٍ للنظام السوري وعدم ترك سوريا لقمة سائغة للنظام الإيراني، وقد بدأت السلسلة بزيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، ومن قبل باللقاء شبه العفوي بين وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد ووزير الخارجية السوري وليد المعلّم في أروقة الأمم المتحدة، ومن بعد إعلان الإمارات العربية المتحدة إعادة فتح سفارتها في دمشق، والتقارب المصري مع النظام السوري يتصاعد.
بعد التغييرات الكبرى لتوازنات القوى في المنطقة كان لزاماً أن تتحرك المواقف وتتبدل بناء على رعاية المصالح للشعب السوري ولشعوب المنطقة ودولها، وهو ما حصل بالفعل وسيحصل أكثر في المستقبل القريب، من دولٍ عربية أخرى، فالأوضاع توحي بأن التوسع في هذا الاتجاه سيكون سمة للمستقبل القريب في المنطقة.
أين حقوق الشعب السوري؟ أين مظالمه الكبرى؟ والمجازر التي ارتكبت في حقه؟ كل هذه أسئلة موجعة فعلاً، ويجب أن تطرح، وهي جرحٌ إنساني كبيرٌ، ولكن مشكلة السياسة أنها بلا عواطف، وأنها تبحث دائماً عن أفضل الخيارات المتاحة والممكنة لأن المستحيل ليس خياراً، ومن الجيد التبصر في الأحداث والمتغيرات وإعادة بناء المواقف وتغيير الاستراتيجيات كلما اقتضت الحاجة.
في السياسة تنتصر المدرسة الواقعية - غالباً - على المدرسة المثالية، هناك من يفكر في المصالح والحلول وهناك من يفكر في المثاليات والمبادئ العامة، ولا شيء يضر بالسياسة مثل أن تتحول من فن الممكن إلى فن المستحيل، وعلى الرغم من ذلك فإن القدرة على التأثير ستتعزز لحاجات واقعية ومعطيات حاضرة وليس حلماً فقط.
اللاعبون الرئيسيون في سوريا، روسيا في المقام الأول فقد كان دخولها العسكري المكثف أهم العوامل التي غيرت التوازنات في المنطقة، ثم إيران وميليشياتها من «حزب الله» اللبناني وبقية الميليشيات من العراق وأفغانستان وإيران، ثم النظام السوري نفسه، مع التدخلات التركية التي لها مصالحها الخاصة وهواجسها الخاصة أيضاً، وبطبيعة الحال الولايات المتحدة التي أعلن الرئيس ترمب في موقفٍ غريبٍ أنه سيسحب قواته من سوريا.
المرحلة القادمة ستكون مرحلة حسّاسة، فالسؤال الذي يجب طرحه هو من سيبني سوريا من جديد؟ من سيتحمل فاتورة كل الدمار والتخريب الذي جرى؟ في محاولة الإجابة لا تبدو روسيا قادرة على ذلك، ولا يبدو النظام الإيراني قادراً هو الآخر، فخبرته كلّها في التخريب والتدمير وهو لا يحسن البناء والتنمية، لا في داخل إيران نفسها ولا في الدول التي اجتاحتها ميليشياته إنْ في لبنان أو العراق أو اليمن أو سوريا نفسها، وتركيا كانت هي المستفيد الأكبر من تنظيمات الإرهاب من «داعش» إلى «النصرة» في السنوات الماضية، ولا يعنيها بناء سوريا من قريب أو بعيد.
الدول القادرة على المساهمة الفاعلة في إعادة بناء سوريا هي الدول العربية القائدة في المنطقة من دول الخليج تحديداً، وربما لن تساهم أميركا في ذلك بناء على تناقضات المصالح مع روسيا، وقرار انسحاب القوات الأميركية من سوريا يصب في هذا الاتجاه، كما لمح الرئيس ترمب بنفسه.
وتبقى أسئلة محيرة ومن أهمها هل النظام السوري قادرٌ على التخلص من الميليشيات الإيرانية؟ وهل يمتلك القرار في إجبارها على الانسحاب؟ وكيف يمكن ضمان التزامه بأي اتفاقٍ في هذا الإطار؟ لا تبدو الإجابات واضحة في هذه اللحظة ولكنها يمكن أن تتكشف في المستقبل.
وتستمر الأسئلة، ماذا سيجري بخصوص مئات الآلاف من القتلى والمصابين والمعتقلين؟ وماذا سيجري بخصوص ملايين اللاجئين في دول المنطقة وفي أوروبا؟ وكيف يمكن سلّ سخائم النفوس التي تراكمت لسنواتٍ ليست بالقصيرة؟ وهل النظام السوري قادرٌ على تقديم التنازلات المطلوبة واجتراح الحلول الحقيقية لكل التبعات الكبرى للأزمة السورية؟ هذه أسئلة مستحقة ويجب طرحها والتفكير فيها لأن الإجابات تفتح باب التصور الأدق للمستقبل.
ستظلّ سوريا ساحة للصراعات في المنطقة، وتحديداً من الدول غير العربية، والصراع الأهم هو الصراع الإيراني الإسرائيلي، فكلٌ منهما لا يريد أن يمنح الآخر أي إمكانية للتفوق العسكري في سوريا، وهذا الصراع سيستمر، والتدخلات التركية في شمال سوريا ستستمر أيضاً، وضابط الإيقاع الأهم في سوريا هي روسيا، وهي التي سيكون عليها التعامل مع كل هذه التعقيدات، ولكن من المهم أيضاً ألا يستمر الغياب العربي في سوريا في المرحلة المقبلة.
فيما مضى لعبت قطر دوراً تخريبياً سيحفظه التاريخ ويحفظه الشعب السوري، فهي عملت بكل جدٍ وجهدٍ لتمزيق القضية السورية وذلك بدعمها غير المحدود للجماعات الإرهابية هناك من تنظيم «النصرة» التابع لـ«القاعدة» إلى تنظيم «داعش»، وعملت على ضرب الجيش السوري الحر وتشتيته حتى أصبح عدد من فصائله برسم البيع والتأجير لكل من يدفع، كما دعمت قطر الميليشيات الإيرانية للتأثير على الوضع السوري بمليارات الدولارات عبر طرقٍ ملتوية وبعضها معلنٌ، مثل دفع الفدية بمبالغ طائلة لتحرير رهائن، فتدعم الإرهاب والعالم يصفق.
ليس ثمة حلول ناجزة للأزمات المعقدة، مثل الأزمة السورية، بل هو التفكير المستمر والبحث الدائم عن أفضل الحلول حتى لو كانت الخيارات بين السيئ والأسوأ، وبالتأكيد فأسوأ تلك الحلول هو ترك سوريا نهباً للدول الإقليمية غير العربية، وهذا لا يمنع أبداً من وضع شروطٍ مهمة لضمان أفضل النتائج الممكنة.
أشار كاتب هذه السطور سابقاً مع غيره إلى أن ثمة فروقاتٍ واضحة بين أهداف روسيا وإيران في سوريا، وهو ملحظٌ يجب التركيز عليه في أي تحركاتٍ مستقبلية لحل هذه الأزمة الكبرى.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة