وائل مهدي
صحافي سعودي متخصص في النفط وأسواق الطاقة، عمل في صحف سعودية وخليجية. انتقل للعمل مراسلاً لوكالة "بلومبرغ"، حيث عمل على تغطية اجتماعات "أوبك" وأسواق الطاقة. وهو مؤلف مشارك لكتاب "أوبك في عالم النفط الصخري: إلى أين؟".
TT

النفط الصخري يهدد عرش هارفارد

لأول مرة أصبحت جامعة تكساس ثاني أغنى جامعة في الولايات المتحدة بعد هارفارد. كيف حدث هذا؟ الجواب بفضل النفط الصخري.
لسنوات طويلة ظلت جامعة هارفارد هي الأغنى بسبب ضخامة حجم الوقف الذي تديره. إلا أن الأمور بدأت في التغير، حيث اقتربت جامعة تكساس من هارفارد خلال النصف الأول من العام الجاري بعد ارتفاع وقفها إلى 31 مليار دولار فيما كان وقف هارفارد عند 39.2 مليار دولار، حسب الأرقام التي نشرتها وكالة بلومبيرغ.
وتجاوزت جامعة تكساس جامعة ييل والتي كانت صاحبة المركز الثاني حتى هذا العام بوقف قدره 29.4 مليار دولار. كيف تم هذا؟ تمتلك جامعة تكساس الكثير من حقوق التعدين حيث خصصت لها الولاية نحو 2.1 مليون هكتار من الأراضي في حوض البيرميان أكبر أحواض إنتاج النفط الصخري. وتحصل الجامعات في تكساس على رسوم مقابل الإنتاج من الأراضي التي يتم تخصيصها لها.
وأنتجت الآبار النفطية في البيرميان في يوليو (تموز) 5.3 مليون برميل يومياً، وهو إنتاج يقارب إنتاج حقل الغوار في المملكة العربية السعودية والذي يعتبر أكبر حقل بري في العالم.
وبسبب هذا الإنتاج الكبير والأسعار المرتفعة نسبياً للنفط في النصف الأول من العام الجاري، زادت قيمة أوقاف جامعات أخرى في تكساس مثل جامعة تكساس إيه آند أم (وهي الجامعة التي ارتادها وزير الطاقة السعودي خالد الفالح) إلى 13.5 مليار دولار.
وإذا ما استمر البيرميان في الإنتاج بشكل كبير وتحسنت أسعار النفط، فليس من المستبعد أن نرى في العام القادم أو الذي يليه جامعة تكساس في المرتبة الأولى متخطية هارفارد.
ما يهمنا هنا ليس ترتيب الجامعات الأميركية من حيث الثراء أو التنافس بينها. ما يهمنا هنا أن نفهم كيف أن النفط الصخري غير خارطة كل شيء في الولايات المتحدة، وليس هذا وحسب بل أصبح النفط مصدراً مهماً للدخل للبلد ولنظامه التعليمي. ولم يعِب جامعة تكساس أن أموالها جاءت من النفط الذي يعتبره أصدقاء البيئة عدوهم الأول.
وإذا ما كان النفط مهماً للولايات المتحدة بهذا الشكل فلماذا هذا النفاق الإعلامي الذي نراه ولماذا تصوير النفط على أنه عدو البيئة وعلى أنه مرض من أمراض العالم الثالث يجب على العالم الأول التخلص منه والتحول إلى الطاقة البديلة؟!
الحقيقة والمعطيات على أرض الواقع كلها تظهر أن هناك ارتدادا في الولايات المتحدة إلى النفط ولولا النفط الصخري لما تمكنت أميركا اليوم من الشعور بالاستقلال عن منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ومنافسة روسيا وأوبك على أسواق تصدير النفط.
لقد تمكنت الولايات المتحدة بفضل النفط الصخري أن ترفع إنتاجها إلى 11.6 مليون برميل يومياً مؤخراً لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم متخطية روسيا والسعودية.
إن المحرك الرئيسي لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مجال الطاقة وتجاه منظمة أوبك يدور حول أسعار نفط أقل، وهذا ما زرعه الرئيس الأميركي في عقل المضاربين في السوق والذين غيروا مراكزهم وباعوا العقود وتسببوا في أرباك السوق نتيجة للتصور بأن الرئيس الأميركي سيضغط على السعودية وأوبك أكثر لخفض الأسعار أكثر مما هي عليه الأن.
ولكن هل خفض أسعار النفط أمر صحي للاقتصاد الأميركي؟ وهل تحتاج الولايات المتحدة ذلك؟ وما هي الآثار الناتجة عن أسعار نفط أعلى؟
بناء على دراسة من أحد بيوت الاستشارات النفطية فإن الاقتصاد الأميركي يستفيد من أسعار نفط أعلى أكثر من استفادته من أسعار نفط أقل. وفي نفس الوقت فإن الاقتصاد الأميركي في عصر النفط الصخري (2005 إلى 2018) لم يعد يتأثر بارتفاع أسعار النفط كما كان في السابق في عصر ما قبل النفط الصخري (1987 إلى 2005).
واستفاد الاقتصاد الأميركي بشكل كبير من ثورة النفط الصخري. فبالنسبة للتضخم، ففي الفترة ما قبل النفط الصخري إذا ارتفعت أسعار النفط بنسبة 25 في المائة، فإن مؤشر أسعار المستهلكين يرتفع بنسبة 1 في المائة في الفصل الربع سنوي ما بعد ارتفاع أسعار النفط ويزيد بصورة مركبة بنسبة 1.6 في المائة بعد فصلين ربعية.
هذا الأمر يؤثر بشكل كبير على معدل الفائدة الأميركية والذي كان يرتفع لخفض نسبة ارتفاع التضخم. لكن في فترة النفط الصخري أصبح التضخم في الولايات المتحدة أقل تأثراً بارتفاع أسعار النفط وأصبح الارتفاع في مؤشر قياس المستهلكين يتراوح بين 0.6 في المائة و0.8 في المائة، وتستمر هذه النسبة لعدة فصول ربعية بعد الارتفاع في أسعار النفط.
وتستفيد الولايات المنتجة للنفط من الأسعار العالية بشكل آخر، حيث أصبحت تسجل نسب بطالة متدنية جداً. وفيما يتعلق بنسبة تدمير الوظائف (عدد الوظائف الجديدة قياساً إلى عدد الوظائف الملغاة) فإن هذه النسبة تكاد تكون صفر في الولايات المنتجة للنفط، لأن أي وظائف ملغاة في القطاعات الأخرى يتم خلق ما يوازيها في القطاع النفطي. أما نسبة ارتفاع البطالة في الولايات المتحدة انخفضت إلى 0.08 في المائة في عصر النفط الصخري مقارنة بنحو 0.3 في المائة في عصر ما قبل النفط الصخري.
وفيما يتعلق بالناتج المحلي يختلف الأمر بين الولايات المنتجة للنفط والولايات المستهلكة له أو ذات الموارد الطبيعية القليلة. ففي الولايات المنتجة للنفط يزيد الناتج المحلي بنسبة 0.2 في المائة مباشرة بعد ارتفاع أسعار النفط فيما تصل النسبة إلى 0.4 في المائة بعد فصلين ربعية. أما الولايات الغير منتجة للنفط فإن النتاج المحلي لها ينخفض بنسبة 0.4 في المائة بعد فصلين إلى ثلاثة فصول ربعية من ارتفاع أسعار النفط.
والخلاصة أن النفط أصبح من أعمدة رخاء واستقرار الاقتصاد الأميركي وكل ما يقال في الولايات المتحدة سلباً عن النفط وكل ما يقال عن أهمية تخفيض أسعاره هو من باب الاستهلاك الإعلامي ويظل الاقتصاد الأميركي في وضعية قوية تسمح له بتحمل أسعار نفط أعلى.