حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

طلال بن عبد العزيز في ذمة الله

لا أعلم تحديداً متى تعرفت على الراحل الأمير طلال بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فمنذ وعيت في هذه الدنيا وقد كان جزءاً من حياتنا. ارتبط به والدي لفترة طويلة من الزمن وكان من المقربين له وعاشره سياسيا واجتماعيا وفي عالم الأعمال، وورثت عن والدي محبته واحترامه وتقديره للراحل الكبير.
كان الراحل سابقاً لوقته بكثير، مدافعاً عن الحقوق ومؤمناً بالمواطنة وله نظرة عروبية مميزة. كان مؤمناً جداً برسالة والده المؤسس الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، في بعدها المتعلق بالعلاقات العربية البينية. طرح كثيرا من الأفكار الإصلاحية وآمن جداً بحقوق المرآة، وأهمية التعليم في المجتمع المدني. كان دائم التواصل مع الإعلام المحلي والعربي وحريصاً على المطالعة فيهما، يكتب في الشأن السعودي تحديداً. كانت له مجموعة مرموقة من المعارف من الساسة والمثقفين العرب الذين كانوا دوماً ما يجتمعون عنده وينصتون بحرص ودقة لما يدليه من آراء.
لقد كان الراحل بعيداً عن التكلف بسيطاً في تواصله ولكنه دقيق فيما يطرح ومتابع لما يتم مناقشته في حضوره، مع المتابعة والحرص على إتمام المعلومة حتى عن بعد. اهتم بشكل مكثف بالمجال التعليمي فأنشأ شبكة الجامعة العربية المفتوحة التي لها وجود مهم وناجح في معظم الدول العربية وبأداء جيد ومشرف، وكان أيضاً مؤسس برنامج الخليج العربي للتنمية المعروف باسم «أجفند» وهو منظمة إقليمية مقرها الرياض وتعمل في مجال التنمية والنمو من خلال شراكة فعالة ومؤثرة جداً مع منظمة الأمم المتحدة، بالإضافة لعدد محترم من المؤسسات العامة والقطاع الخاص ومع منظمات المجتمع المدني، وساهم البرنامج منذ إطلاقه في دعم وتمويل أكثر من 1300 مشروع في 135 دولة نامية. وأطلق مبادرات كثيرة ومختلفة كلها لصالح أهداف نبيلة، وآخرها كان لوقاية وحماية الشباب العربي من أضرار المخدرات الفتاكة.
أيضاً أسس عدداً مهماً من الجمعيات الخيرية، عملت معه عضوا في أول مجلس أمناء في إحداها وهي جمعية «إبصار» الخيرية للمعاقين بصرياً، وجدنا منه كما عودنا الدعم والعون. كان لا ينقطع عن محبيه أبداً، فيحرص على الاجتماع بنا في مناسبات «غداء» سريعة يتناول فيها كعادته المواضيع المتنوعة والمختلفة في جو مليء بالألفة والجدية ولا يخلو من المرح. غاب عن عاداته في السنوات الأخيرة لظروف صحية ولكن بقي سؤاله عن محبيه قائماً ومستمراً. كان في كل لقاءاتي معه، رحمه الله، لا بد أن يسترجع ذكريات قديمة لمواقف معينة مع والدي، رحمه الله، يوصل فيها رسالة شخصية لي أنا، وبذلك أفهم منه حرصه على الوفاء.
ساهم في بناء الدولة عندما تبوأ مناصب تنفيذية في وزارة المواصلات ثم وزارة المالية، ثم أصبح سفيراً لدى فرنسا، وفي كل موقع تبوأه أحدث فيه تطوراً لافتاً وحراكاً إيجابياً. كان دوماً يقدم الآراء والاقتراحات التي يتلقاها من محيطه ويجد فيها منفعة ومصلحة عامة، فيعدها ليتم رفعها بعد ذلك للمسؤولين. كان شخصية فريدة ومميزة، جريئاً ومعتداً برأيه ومع ذلك لديه ثقة بنفسه عندما يستمع إلى رأي آخر لن يأخذ به.
رحم الله الأمير طلال بن عبد العزيز رحمة واسعة، فرحيله خسارة عظيمة لكل من عرفه عن قرب وعاشر أخلاق الراحل الكبير. لا نملك له إلا الدعاء بأن يسكنه الله فسيح جناته ويغمره بالرحمة والمغفرة ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. و«إنا لله وإنا إليه راجعون».