تتجه بريطانيا صوب سياسات الاختيارات المتعددة، وقد لا تكون هذه من السياسات السيئة بحال.
عندما تكون لديك مجموعة ضعيفة الفهم من الطلاب غير القادرين على اجتياز أبسط الاختبارات، فإن أحد الحلول المتواضعة حيالهم اختبار الاختيار من إجابات متعددة. ففي مواجهة أربع إجابات محتملة للسؤال الواحد، تسنح الفرصة أمام أدنى الطلاب ذكاء كي يحصل على الإجابة الصحيحة (ولقد نجح الأمر معي في اختبار الفيزياء ذات مرة).
والآن، يبدو أن سياسات «البريكست» البريطاني الغامضة تتخذ طريقها صوب الاختبار ذي الثلاث أو الأربع إجابات على سؤال واحد. ومن غير الواضح ما إذا كان أعضاء البرلمان أو عامة الناس سوف يكونون من الممتحنين، وربما كلاهما. ومن المثير للاستغراب أن هذا قد يكون الحل الأقل سوءاً. ومع أقل من 100 يوم حتى ميعاد «البريكست»، فمن الخطأ أن تحاول رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي العمل على إيقافه.
أولاً، بعض الخلفية: في الوقت الذي يحتاج «وستمنستر» فيه إلى تيمة «بلاك ادر» (المسلسل الإنجليزي الساخر الذي يدور حول السياسة النفعية الميكافيلية، من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية)، فقد أصبح عالقاً في شخصية بولدريك الوهمية بالمسلسل الذي يملك خطة ذكية ومدهشة إما تدفع به إلى حد الجنون، أو هي أكبر من قدرته الحقيقية على التنفيذ.
ويمكن القول إن أول ممثلي هذه الشخصية في الواقع كان رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، الذي ساعده وعده المثير بالاستفتاء على «البريكست» على الفوز بأغلبية ضئيلة في انتخابات عام 2015، ولكنه أسفر عن تمكين «البريكست»، الأمر الذي لم يكُن السيد كاميرون يرغب حقيقة في حدوثه. والشخصية التالية هي وزير الخارجية السابق بوريس جونسون الذي كان قراره في اللحظة الأخيرة بالانضمام إلى حملة المغادرة عبارة عن مناورة تكتيكية لكسب التأييد لدى المؤيدين الحقيقيين لـ«بريكست» في حزب المحافظين، مما يجعله خليفة محتملاً للسيد كاميرون.
ولكن عندما فازت حملة المغادرة بشكل غير متوقَّع لم يكن لدى السيد جونسون أي فكرة عما يجب عليه فعله بعد ذلك في حالة الفوضى التي أسهم في حدوثها، وما كان من الحزب إلا أن منح المنصب الكبير لتيريزا ماي.
كان من المفتَرَض بالسيدة ماي أن تمارس اللعبة السياسية بقدر معتَبَر من الإنصاف، ولكنها كانت لديها خطتها الماكرة أيضاً، إذ دعت إلى إجراء انتخابات مبكرة في عام 2017 بهدف حيازة الأغلبية الكبيرة من حزب المحافظين الحاكم لنفسها، التي من شأنها تعزيز مفاوضات «البريكست» الخاصة بها أمام الاتحاد الأوروبي.
وبدلاً من ذلك، تسببت حملتها بخسارتها للأغلبية الضئيلة المؤيدة لها، مما أجبرها في خاتمة المطاف على الاعتماد في البرلمان على الاتحاديين الديمقراطيين من آيرلندا الشمالية (وهم أقل المجموعات السياسية البريطانية مرونة فيما يتعلق بمسألة الحدود الآيرلندية).
وفي واقع الأمر، طوال فترة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي، أثبتت السيدة ماي تقمُّصها لشخصية بولدريك تماماً، إذ أطاحت بعيداً بحفنة البطاقات الجيدة التي كانت بين يديها. وأعلنت تفعيل المادة 50 في وقت مبكر للغاية، وضبطت عقارب الساعة في غير صالحها. ومن المقرر الآن أن تغادر بريطانيا الكتلة الأوروبية في 29 مارس (آذار)، بإبرام الصفقة أو بغير إبرامها. وهي على غير استعداد فعلي لمواجهة خيار «عدم إبرام الصفقة»، واستمرَّت في إخبار الشعب البريطاني بأن عدم إبرام الصفقة أفضل من إبرام الصفقة السيئة. والجانب الأوروبي، الذي يدرك تماماً أن عدم إبرام الصفقة سوف يرجع بآثار سيئة للغاية على الاقتصاد البريطاني، ابتسم في دهاء، وانتظر حتى تتسلّم السيدة ماي، التي ينفد الوقت منها في سرعة غريبة، وأصبحت الآن في وضع يجبرها على إبرام الصفقات بشأن «بريكست» في فترة انتقالية مطولة مع مساندة آيرلندية مسمومة، وربما غير محددة المعالم.
يمكن أن يتصور المرء أن السياسيين البريطانيين كانوا يحصلون على ما يكفيهم من الخطط الماكرة حتى الآن. ومع ذلك، ظهرت شخصيتان جديدتان على مسرح الأحداث، وكلاهما عاقد العزم على تدمير السيدة ماي، ولكن أفضى بهما سذاجتهما السياسية إلى مساعدتها في الاستمرار والمواصلة.
كانت أقل جماعات الاغتيال السياسي مكراً هي أنصار «البريكست» المحافظين المتشددين بقيادة جاكوب ريز موغ، وهم من المتعصبين للغاية الذين لا يفضلون إبرام أي صفقات مع الجانب الأوروبي، رغم الأضرار المتوقعة على اقتصاد البلاد. وكمثال على سوء أفعالهم السياسية، تذكروا قبل أسبوع مضى عندما بدت السيدة ماي في وضع لا تُحسد عليه. فلقد أُجبرت على تأجيل التصويت البرلماني على خطتها التوافقية، وكانت على وشك التوجه إلى بروكسل لأجل استجداء التنازلات التي لم يكن زعماء الاتحاد الأوروبي مستعدين لتقديمها أبداً. فما الذي صنعه أنصار «بريكست» المتشددون؟ لقد تسببوا في كل رعونة بإجراء انتخابات سريعة في القيادة. وفي خاتمة المطاف، صوَّت 117 من أصل 317 عضواً من حزب المحافظين ضد السيدة ماي، بما يكفي لإيذائها سياسياً، ولكن ليس بدرجة كافية للفوز.
وبموجب قواعد حزب المحافظين الحاكم، صارت السيدة ماي في وضع آمن من انتخابات قيادة الحزب لعام مقبل. وانتظر السيد ريز موغ وأصدقاؤه بضعة أيام حتى تعود رئيسة الوزراء خالية الوفاض من بروكسل (تماماً كما حدث)، ولربما حاولوا الإطاحة بقيادتها للحزب جراء ذلك. والآن، صار ملف «بريكست» تحت إدارة رئيسة الوزراء التي لا تحظى بثقتهم.
والشخصية الثانية في السياق ذاته هي جيريمي كوربن زعيم حزب العمال المعارض. واعتبر خطته لـ«بريكست» ماكرة للغاية، حتى إنه لم يكشف عنها قط. ولم يتحدث عنها مع أحد، وربما أنه لا يعرف في الواقع ما تدور عليه هذه الخطة بالأساس. ويمكن القول إن عدم إدراكه بالأمر، سواء كان حقيقياً أم مفتعلاً، يبدو معقولاً ما دام حزب المحافظين مستمراً في فرق إطلاق النيران الدائرية كالمعتاد.
وفي نهاية المطاف، ورغم كل شيء، يريد كوربن إسقاط الحكومة الحالية بغية إجراء الانتخابات العامة، وليس لديه ما يقدمه إلى الشعب البريطاني بأكثر من مزيد من الانقسام السياسي. وعلى الرغم من أن كثيراً من نواب حزب العمال والناخبين يرغبون فعلاً في إجراء استفتاء آخر بشأن «بريكست»، فإن كوربن نفسه لا يؤيد هذه الفكرة على الإطلاق.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
8:15 دقيقه
TT
«البريكست» متعدد الاختيارات
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
