غاري شيلينغ
كاتب من خدمة بلومبيرغ
TT

التنبؤات المناخية في مواجهة نتائج النماذج الافتراضية

أثارت الأعاصير القوية، والعواصف الشتوية العاتية، وحرائق الغابات المدمرة، والجفاف الشديد، والعديد من التقارير الصادرة حديثاً، المخاوف بشأن التغيرات المناخية الجديدة والتهديدات التي تشكلها على كوكب الأرض. وأول ما يجب على المستثمرين التفكير فيه وفعله للاستجابة لمسألة الاحتباس الحراري ليس الذعر والهلع بأي حال من الأحوال.
ويشير ستيفن كونين، عالم الفيزياء النظرية والوكيل الأسبق لشؤون الطاقة والعلوم في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إلى أن التقييم الوطني الرابع للمناخ الذي صدر أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي يعكس أن التأثير الشامل للتغيرات المناخية من صنع الإنسان طفيف للغاية. ويفترض أسوأ سيناريو يتصوره التقرير وقوع زيادة في درجات الحرارة على مستوى العالم بمقدار 9 درجات فهرنهايت (12.7 درجة مئوية) بحلول عام 2090. وهي وثبة هائلة بنحو 12 ضعفاً أسرع من الارتفاع بمقدار 1.4 درجة المسجل منذ عام 1880. كما يفترض التقرير أيضاً أن يسجل الاقتصاد الأميركي نمواً بمقدار نقطتين مئويتين فقط على أساس سنوي مقابل معدل 3.3 نقطة مئوية المسجل حتى الآن في العام 2018 الجاري. ومع ذلك، فإن الانخفاض المتوقع في النمو الاقتصادي على أساس سنوي يبلغ 0.05 نقطة مئوية فقط.
فإن كنا نرغب في مواصلة الاستثمار تحسباً لتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري السريع، فينبغي تجنب مجالات الطاقة الخضراء تماماً وذلك لأنها لا تزال تحتاج إلى المزيد من الإعانات الحكومية الضخمة والتشريعات الكثيرة. ومن شأن غاز الإيثانول المسبب للتآكل أن ينهار من تلقاء ذاته ومن دون المتطلبات الحكومية بضرورة تضمينه في وقود السيارات. ومزارع طاقة الرياح هي الأخرى تحتاج إلى التشريعات الحكومية والإعانات الفيدرالية حتى تكون قابلة للعمل والتطبيق. وما تمنحه الحكومة يمكنها سحبه وقتما يحلو لها كما هو معروف. ونذكر أيضاً التقلبات الأخيرة في أوساط منتجي الألواح الشمسية في أعقاب فرض الرسوم الجمركية من الإدارة الأميركية على الصين وإغراق الأسواق هنا وتقييد الواردات من الخارج.
فإن كنا نخشى من الارتفاع المفرط في درجات الحرارة، فينبغي تجنب بناء وإنشاء العقارات في المناطق الساحلية أو القريبة منها. ويعتقد «اتحاد العلماء المعنيين» أن هناك 311 ألف منزل ساحلي تبلغ قيمتها 118 مليار دولار مهددة بخطر الفيضانات المزمنة في غضون العقود الثلاثة المقبلة، وكذلك 14 ألفاً من الممتلكات العقارية التجارية بقيمة تبلغ 18.5 مليار دولار معرضة لنفس المخاطر. فإن ارتفعت درجات الحرارة كثيراً في ولاية فلوريدا الأميركية مثلاً، فإن المواطنين ممن بلغوا سن التقاعد قد لا يرغبون في الانتقال للعيش هناك، مما يقلل الطلب على مجتمعات المتقاعدين.
تقول اللجنة الدولية للتغيرات المناخية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة إن درجات الحرارة المرتفعة قد تصيب البلدان الأكثر فقراً في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من العالم، مع انخفاض المحاصيل الزراعية بسبب نقص المياه وانتشار الحشرات. لذا ينبغي تجنب الاستثمار في المناطق والأسواق الحدودية في كل من آسيا وأفريقيا.
من جانبه، فإن من شأن متوسط درجات الحرارة الأكثر دفئاً أن يزيد من السياحة الصيفية في خطوط العرض الشمالية والجنوبية. كما أن ارتفاع درجات الحرارة سوف يعزز من نمو الغابات في أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، في حين أن الأيام الخالية من الصقيع سوف تزيد من المساحات الكبيرة والجديدة المنزرعة بمحاصيل فول الصويا، والذرة، والقمح، وغيرها من المحاصيل الأخرى في الولايات الأميركية الشمالية فضلاً عن كندا.
ومع ذلك، فإنني أراهن على أن موردي المعاول والمجارف بأكثر من رهاني على شركات التنقيب عن الذهب هنا وهناك. لذا ينبغي التفكير في منتجي المعدات الزراعية وتجارة الأخشاب إلى جانب تجار الحبوب الزراعية المختلفة. ولا ننسى منتجي المبيدات الزراعية لأن درجات الحرارة المرتفعة تؤدي إلى انتشار المزيد من الحشرات.
وإن أصبح المحيط المتجمد الشمالي خالياً من الجليد تماماً بحلول فصل الصيف في منتصف القرن الحالي كما يقولون، فإن المسار البحري من اليابان حتى أوروبا سوف ينخفض من 11.300 ميل بحري إلى 7600 ميل بحري فقط عبر قناة السويس المصرية. ومرة أخرى، فإنني أراهن على شركات بناء السفن بدلاً من شركات الشحن وخطوط الرحلات البحرية. ومن شأن المزيد من الاحتباس الحراري العالمي أن يفسح المجال الهائل أمام كميات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي الكامنة أسفل الطبقات الجليدية في القطب الشمالي. ومرة أخرى أجدني أراهن على شركات خدمات الطاقة بدلاً من المنتجين.
إن مناخ الكرة الأرضية مفعم بالكثير من التعقيد. وحتى أفضل النماذج الحاسوبية لا يمكنها تفسير العديد من الظواهر الجوية والمناخية لهذا الكوكب، ولذلك نلجأ دوماً إلى الافتراضات التي تعكس في جوهرها قدراً لا بأس به من التحيزات البشرية. لذلك، لا داعي لأن ننتظر صمود التنبؤات المناخية الحالية في مواجهة المزيد من نتائج النماذج الحاسوبية القادمة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»