وائل مهدي
صحافي سعودي متخصص في النفط وأسواق الطاقة، عمل في صحف سعودية وخليجية. انتقل للعمل مراسلاً لوكالة "بلومبرغ"، حيث عمل على تغطية اجتماعات "أوبك" وأسواق الطاقة. وهو مؤلف مشارك لكتاب "أوبك في عالم النفط الصخري: إلى أين؟".
TT

ماذا ستخسر أوبك بعد خروج قطر؟

للأسف الشديد، تناولت وسائل الإعلام المتخصصة أو حتى وسائل الإعلام العامة بالأمس خبر إعلان قطر عن خروجها من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بكثير من السلبية، ووصف بعضهم ذلك بأنه بداية تصدعات ستطال المنظمة وتهدد وحدتها في وقت هام جداً.
وأقول هنا «للأسف الشديد» لأن هذا التضخيم لهذا الإعلان خلفه بعض الأجندات الشخصية ضد السعودية في هذا التوقيت، والأسباب وراء ذلك معروفة وملاحظة ولا مجال هنا لذكرها، لأن المملكة كما هو معروف أنها القائد الفعلي للمنظمة، وأي تذمر ضد المنظمة حالياً يتم ربطه شخصياً بالمملكة.
أوبك هي منظمة عريقة في عالم الصراعات. ففي الثمانينات استمرت أوبك في العمل والاجتماعات رغم نشوب حرب بين عضوين من كبار أعضائها وهما إيران والعراق. وفي التسعينات لم تخرج الكويت من المنظمة بعد الغزو بسبب وجود العراق فيها.
وبغض النظر عن النزاعات والصراعات، فقد علقت كل من الغابون في 1992 وإندونيسيا في 2008 عضويتهما في المنظمة، وعادتا إلى أوبك مجدداً قبل أن تعلق إندونيسيا عضويتها مرة أخرى. وخرجت الغابون من المنظمة كذلك بالكامل في 1995 ثم عادت في 2016.
كل هذا حدث ولم تتأثر أوبك ولم تهتز، واستمرت في العمل بل وأدارت أكبر التحديات التي واجهت السوق في تاريخه في 2008 و2016 وغيرها من السنوات.
إذن لماذا الآن تتحدث بعض وسائل الإعلام عن تصدعات وانشقاقات؟ هل لأن قطر بلد خليجي، أم هل لأن السعودية هي المستهدفة بصورة غير مباشرة؟
لم يكن خروج قطر مفاجئاً بالنسبة لي، خاصة أنها تريد أن تعطي زخما أكبر لمنتدى البلدان المصدرة للغاز والذي يتخذ من الدوحة مقراً له. في هذا المنتدى أو المنظمة، قطر هي اللاعب الرئيس، ولديها دور أكبر؛ أما في أوبك فالسعودية هي اللاعب الرئيس وهي الدولة المؤثرة.
ولكن من باب الإنصاف مع قطر، وهو الأمر الذي سمعناه من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار عندما تحدث بإيجابية عن نمو اقتصاد قطر رغم الخلاف السياسي معها، فمن هذا الباب يجب أن نذكر أن قطر ساهمت بشكل كبير في جمع الكثير من الدول على طاولة الحوار في 2016 في اجتماع الدوحة الذي كان يهدف إلى تشجيع هذه الدول على خفض إنتاجها أو الخروج باتفاقية لإعادة الاستقرار إلى السوق النفطية.
هذا الأمر مساهمة تذكر من قطر، ولكنه لا يعني أن قطر دولة رئيسة ومهمة بالنسبة لأوبك، لا من ناحية الإنتاج أو من ناحية التأثير في السوق، فإنتاج قطر صغير ومحدود ولا يتجاوز بشكل كبير 600 ألف برميل يومياً، بل إن إنتاج النفط من الحقول القطرية يزداد صعوبة نظراً لقدمها. وقطر هي من بين دول أوبك التي بلغت الذروة في الإنتاج، ولن تستطيع زيادته بشكل كبير في المستقبل، على عكس الكويت والإمارات اللتين تجاوزت طاقتهما الإنتاجية الثلاثة ملايين برميل ولا يزالان يسعيان للوصول إلى معدلات أعلى.
والسؤال الأبرز والأهم الآن كيف سيكون مستقبل أوبك بعد خروج قطر؟ بالتأكيد أن خروج أي عضو من أوبك مهما كان حجمه أو تأثيره أمر غير محمود، ولكن لا أحد يستطيع منع أحد من الخروج أو الضغط عليه من أجل البقاء.
والخاسر الحقيقي من الخروج هو قطر وليس أوبك، لأن قطر ستفقد نافذة كبيرة على السوق النفطية. فأوبك - رغم كل مساوئها - هي الجهة الوحيدة التي تستطيع التأثير في السوق النفطية؛ لأن أعضاءها يشكلون 40 في المائة من الإنتاج العالمي. وبقاء قطر في أوبك كان يسمح لها بالمساهمة في تشكيل القرار العالمي ومعرفة السياسات العامة التي تواجه السوق.
وهناك سؤال آخر يدور في أذهان الكثيرين، وهو هل سنشهد خروج دول أخرى من أوبك بعد خروج قطر؟ لا أتصور ذلك حتى مع كل التهديدات الأميركية للمنظمة، فأوبك اليوم أثبتت أهميتها للسوق والعالم، ومع دخولها في اتفاق طويل الأجل مع روسيا وباقي كبار المنتجين في تحالف «أوبك+»، فإن الوزن السياسي والاقتصادي لأوبك ضمن التحالف أصبح كبيراً ومهماً.
والخسارة ستكون لمن يخرج من التحالف ويستفيد فقط من الفوائد التي يحققها للسوق. فالمسؤولية الحقيقية هي في المساهمة في العمل وليس جني الثمار فقط. وستظل أوبك مؤثرة فيما لن يكون منتدى البلدان المصدرة للغاز بالتأثير ذاته حتى مع تنامي الطلب على الغاز، لأن الغاز لا يزال يسعر على النفط حتى الآن، ولا توجد أسواق فورية للغاز المسال، وآلية التسعير للغاز ليست نفسها في النفط.