بعد أكثر من عقد على الانقسام العسكري والأمني في ليبيا، أعادت المناورات العسكرية التي استضافتها تركيا مؤخراً، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد العام، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة تحركات أنقرة على دفع هذا المسار المعقّد إلى الأمام.
وشهدت مناورات «أفس - 2026»، التي أُجريت بمدينة إزمير غرب تركيا في 21 مايو (أيار) الحالي، مشاركة 331 عنصراً من شرق ليبيا التابعين لـ«الجيش الوطني الليبي»، و171 عنصراً من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد، ضمن تدريبات ضمّت وفوداً عسكرية من نحو 30 دولة.
وتؤكد أنقرة في خطابها الرسمي، دعمها لفكرة «ليبيا واحدة وجيش واحد»، عبر تعزيز التنسيق والتدريب المشترك بين الأطراف الليبية.

وتلقى المشاركون الليبيون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق، والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات، وعمليات القوات الخاصة، ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية، والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ في ساحات المعارك.
غير أن دوائر بحثية تركية ترى أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بشكل كامل «لا يزال مبكراً». وقال المحلل السياسي التركي الدكتور جواد جوك، إن تركيا تسعى إلى دعم التوافق السياسي والعسكري بين الطرفين عبر قيادات عسكرية مقبولة من الجانبين، والعمل على تعزيز العلاقات بين معسكري بنغازي وطرابلس، موضحاً أن المناورات «تفتح قنوات تواصل مباشرة بين العسكريين الليبيين من الشرق والغرب، وتدعم فكرة التدريب الموحد، وبناء قدر من الثقة بين الطرفين».
وأضاف جوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استضافة تركيا لمناورات «أفس - 2026» تمثل «خطوة مهمة للغاية»، لكونها المرة الأولى منذ الانقسام السياسي والعسكري عام 2014 التي تُجرى فيها مناورات خارج الأراضي الليبية بمشاركة قوات من الجانبين. وأشار في الوقت نفسه، إلى أن أهداف هذه المناورات «تبدو سياسية أكثر منها عسكرية»، في إطار سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في الملف الليبي.

وتقول تركيا، إنها دربت أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، لا سيما من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد، داخل مراكز تدريب في تركيا وليبيا، إلى جانب استمرار برامج الدعم المتعلقة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والإرهاب.
وجاءت هذه المناورات بعد تمرين «فلينتلوك - 2026» متعدد الجنسيات، الذي استضافته مدينة سرت الليبية وكوت ديفوار الشهر الماضي، بمشاركة قوات ليبية مشتركة من الشرق والغرب، وبدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).
من جانبه، رأى المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني، أن «هناك توافقاً دولياً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام»، مشيراً إلى أن هذا المسار تدعمه، بحسب وصفه، «قوة عسكرية احترافية في الجيش الوطني الليبي».
وقال الترهوني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة الغربية لا تضم حتى الآن تكويناً عسكرياً مماثلاً من حيث الهيكلة والانضباط، رغم وجود بعض الأطراف التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة».
وبحسب رؤيته، فإن العائق الرئيسي في غرب ليبيا يتمثل في «وجود تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد الصادق الغرياني»، لافتاً إلى أن التكتلات المسلحة في مدينتي مصراتة والزاوية «ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش»، باعتبار أن ذلك «يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت خلال السنوات الماضية على موارد الدولة ومفاصل الحكم ومعيشة المواطنين».

ولم تحظَ المناورات التركية باهتمام واسع من وسائل الإعلام التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي ركزت بصورة أكبر على مناورات «درع الكرامة 2» التي أُقيمت مؤخراً في شرق البلاد بمشاركة أكثر من 25 ألف جندي، في حين لاقت «أفس - 2026» اهتماماً ملحوظاً في غرب البلاد، خصوصاً مع مشاركة رئيس أركان قوات «الوحدة» الفريق أول صلاح الدين النمروش، على رأس وفد من الضباط الليبيين.
ووفق هذه المعطيات، يعتقد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية شريف بوفردة، أن المؤسسة العسكرية الليبية «لا تزال بعيدة عن التوحيد وفق المعايير المهنية والاحترافية». وعزا ذلك إلى «الخلل البنيوي القائم على مستوى تسلسل القيادة، وطبيعة العلاقة بين القيادات السياسية والعسكرية، فضلاً عن التباين في العقيدة العسكرية والمرجعية الشرعية بين الشرق والغرب».
وقال بوفردة لـ«الشرق الأوسط»، إن المكون العسكري الموجود حالياً في شرق وغرب ليبيا، يمثل «إطاراً لمؤسسة عسكرية» أكثر من كونه مؤسسة عسكرية مكتملة بالمعنى الاحترافي، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي والأمني انعكس بصورة مباشرة على بنية التشكيلات المسلحة وآليات عملها.
وأضاف أن المناورات والتدريبات المشتركة؛ سواء عبر «فلينتلوك - 2026» أو التدريبات التي استضافتها تركيا، تستهدف أساساً تطوير بعض الوحدات العسكرية في المؤسستين بالشرق والغرب، وتهيئتها للعمل ضمن غرف عمليات مشتركة للتعامل مع ملفات أمنية وعسكرية محددة.
وخلص بوفردة إلى أن هذه الجهود تتركز بصورة رئيسية على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومواجهة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، عادّاً محاولات توحيد المؤسسة العسكرية لا تزال تصطدم بتحديات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز البعد العسكري وحده.








