«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

الأزمة تتجدد كل عام وسط استفحال «السوق السوداء»

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
TT

«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية

تتجدد أزمة نقص الوقود في ليبيا مع كل موسم، لتعيد معها مشاهد الطوابير الممتدة أمام محطات البنزين في مختلف المدن. ورغم كون البلاد منتجة للنفط، فإن اضطرابات التوزيع وازدياد التهريب و«السوق السوداء» عوامل تفاقم حدة الأزمة.

وبينما كان الليبيون يستعدون للعيد، تحولت محطات الوقود إلى ساحات ازدحام وتوتر، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مصير كميات الوقود المستوردة، وحدود نفوذ شبكات التهريب، وعجز السلطات عن احتواء أزمة باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين وتستنزف الاقتصاد.

ومع استعدادات العيد، كانت مدينة الزاوية في غرب البلاد تشهد طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما سجل سعر لتر البنزين في السوق الموازية قفزات كبيرة مقارنة بالسعر الرسمي، وهو مشهد بات يتكرر في مناسبات عدة، وفق ما رصده الناشط المدني عبد الرحمن شعيب لـ«الشرق الأوسط».

وترسخت هذه المعاناة بعد مقتل الشاب وائل الدوبالي، إثر تعرضه لإطلاق نار خلال مشاجرة على تعبئة الوقود داخل محطة بمدينة الزاوية، مساء الأحد، في واقعة عكست حجم التوتر الاجتماعي المرتبط بأزمة البنزين.

زحام أمام إحدى محطات الوقود في جبل نفوسة غرب ليبيا قبل عامين في مشهد يتكرر (وسائل إعلام محلية)

وفي شرق البلاد، لم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ تزايدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في مدينة درنة، وهو ما دفع المدون الليبي عادل المسلاتي إلى القول إن المناسبات الدينية تحولت إلى «مواسم للآلام والضغوط النفسية».

وتأتي هذه الأزمة رغم ضخامة فاتورة استيراد المحروقات، إذ أظهرت بيانات المؤسسة الوطنية للنفط أن واردات الوقود بلغت نحو 803 ملايين دولار خلال مارس (آذار) الماضي، و917 مليون دولار في أبريل (نيسان) الماضي، وهي أرقام وصفها الباحث الاقتصادي إدريس الشريف بأنها «ضخمة مقارنة بعدد السكان»، متسائلاً: «أين ذهبت هذه الكميات؟».

مستويات «غير مسبوقة»

هذا المشهد أعاد بدوره ملف تهريب الوقود إلى الواجهة، خصوصاً بعد تقرير لـ«لجنة خبراء الأمم المتحدة» صدر الشهر الماضي، تحدث عن وصول الظاهرة إلى مستويات «غير مسبوقة» خلال العامين الماضيين، عبر شبكات تهريب تعمل من خلال موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة.

وعكست صفحات التواصل الاجتماعي الليبية جانباً من الأزمة، إذ جدد رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام في غرب ليبيا، عبد الرازق الداهش، التحذير من تطور عمليات التهريب عبر البحر. فيما رأى الصحافي الليبي محمد أبو صاع أن السبب الأكثر تأثيراً في الأزمة هو «تحول تهريب المحروقات إلى صناعة رائجة، بعد 2011 وسط غياب الرقابة والإصلاحات».

أمام هذه الأزمة، قالت شركة البريقة لتسويق النفط مساء الاثنين إن كميات البنزين الموجهة لمنطقة تشغيل طرابلس بلغت أكثر من 8.5 مليون لتر، بالتزامن مع تعزيز الإمدادات عبر الصهاريج من مستودع الزاوية النفطي إلى مستودع طرابلس النفطي.

ونفى المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط، أحمد المسلاتي، مسؤولية الشركة عن تضارب أسعار الوقود بين السوق الرسمية والموازية، مؤكداً أن «دورها يقتصر على استلام الوقود وتخزينه وتوزيعه، بينما تبدأ تحديات التهريب والتسرب غير المشروع بعد خروج الشحنات من المستودعات».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مكافحة التهريب «ليست من الاختصاصات التنفيذية للشركة»، مشدداً على أن مواجهة الظاهرة تتطلب رقابة ميدانية وأمنية مستمرة، وتكاملاً بين الأجهزة الأمنية والرقابية والجهات المختصة بمتابعة حركة المحروقات حتى وصولها إلى المستهلك النهائي. ولافتاً إلى أن الانقسام السياسي يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل مكافحة التهريب والتسرب غير المشروع مهمةً شديدة الصعوبة.

وكان تقرير موسع صادر عن منظمة «ذا سينتري» قد كشف أن اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا تجاوز 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، بمتوسط 6.7 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى تحوله إلى شبكة منظمة تضم مجموعات مسلحة وشبكات جريمة عابرة للحدود.

فساد وإهدار للمال العام

هذا الوضع بدا من منظور رئيسة قسم التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط نجوى البشتي، انعكاساً «لمرحلة ما بعد 2011 ورحيل النظام السابق»، مشيرة إلى أن أكثر من ثلث الكميات المستوردة يجري تهريبها، وفق تقارير محلية ودولية.

وأوضحت البشتي لـ«الشرق الأوسط» أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالكميات المهربة، بل بآلية تسعير الوقود المستورد، التي وصفتها بأنها «معيبة»، مؤكدةً أن أسعار الوقود المستورد تتجاوز بأكثر من 50 في المائة قيمته الفعلية، فضلاً عن إضافة «علاوة» تتجاوز 100 دولار للطن المتري، بما يعكس حجم الفساد وإهدار المال العام.

ناقلة وقود في مستودع طبرق النفطي (شركة البريقة لتسويق النفط)

وأكدت أن «مكمن الداء الحقيقي يكمن في الفساد المرتبط بآلية استيراد الوقود»، معتبرةً أن معالجة هذا الملف يجب أن تسبق أي نقاش بشأن استمرار دعم المحروقات أو رفعه.

وسبق أن قدّر تقرير ديوان المحاسبة الليبي فاقد الأموال الناتج عن بند «المبادلة» بأكثر من 9 مليارات دولار، خلال الأعوام من 2021 إلى 2023، وتشير البشتي إلى أن هذه المبالغ «لا تمثل تكلفة الدعم، بل أموال مهدرة استفادت منها أطراف محددة».

ودائماً ما تتعالى أصوات في ليبيا بضرورة رفع الدعم عن البنزين، وهي رؤية يتبناها اقتصاديون، من بينهم رجل الأعمال الليبي حسني بي، علماً بأن سعر لتر البنزين في ليبيا يبلغ 15 قرشاً، وهو الأرخص عالمياً.

غير أن الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي رأى أن أزمة المحروقات «أكثر تعقيداً من اختزالها في مسألة السعر فقط»، موضحاً أن إصلاح التسعير «مطلوب، لكنه لن يكون كافياً وحده لحل الأزمة».

وقال الشحاتي لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة ترتبط أيضاً بضعف قدرات التخزين، وما يترتب عليها من أزمات في التوزيع والنقل، مشيراً إلى أن تعديل الأسعار قد يسهم تدريجياً في ترشيد الاستهلاك، وتقليل الهدر، إلا أن تأثيره يحتاج إلى وقت، نظراً لأن الطلب على البنزين لا يزال غير مرن في ظل غياب بدائل فعالة للنقل العام.

وانتهى الشحاتي إلى أن أي رفع للأسعار سيؤدي إلى تراجع فائض المستهلك، وقد يدفع بعض الفئات الهشة إلى مزيد من الفقر، مشدداً على أن هذه العوامل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تطبيق أي سياسة لإصلاح تسعير المحروقات.


مقالات ذات صلة

مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

شمال افريقيا جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)

مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

ضيق مُعلمو ليبيا الخناق على حكومة الوحدة «المؤقتة» بالتلويح بـ«الإضراب الشامل» في جميع المدارس

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا من مراسم افتتاح مقر وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد» في طرابلس الشهر الماضي (وزارة الخارجية الليبية)

ليبيا لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة

تسعى ليبيا إلى «كسر العزلة الدبلوماسية» المرتبطة بسنوات الاضطراب والانقسام وتطمح لإعادة تنشيط حضورها الأفريقي بمبادرات جديدة ومشروعات مشتركة

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع لحكومة الدبيبة مع أعضاء مجلس النواب عن الجنوب مساء الأربعاء (حكومة الوحدة)

سباق بين صدام حفتر وحكومة الدبيبة لمعالجة احتياجات الجنوب الليبي

وجّه صدام حفتر نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، «الجهاز الوطني للتنمية» بتنفيذ مشروعات خدمية واستراتيجية في المنطقة

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

حراك عمالي متصاعد يعزز حضور النقابات في المشهد الليبي

اتسع حضور النقابات المهنية والحراكات العمالية في المشهد الليبي أخيراً مع تصاعد المطالب بـ«تحسين الأجور والأوضاع المعيشية»، في تحرك يعزز دورها الاجتماعي والسياسي

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي يعود النفط لواجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة لتسوية خلافاتها.

علاء حموده (القاهرة )

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
TT

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

تحركات صينية مكثفة لخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع زيارات يقوم بها حالياً أكثر من مبعوث صيني للمنطقة، تشمل إريتريا وإثيوبيا ومصر وجيبوتي.

تلك الجهود الصينية يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها تبلور وساطة قد تنجح في «تجميد الصراع» وليس تقديم تسوية نهائية.

واندلع تصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بدأته إثيوبيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل طرد دبلوماسيين مع مصر، وصولاً إلى غلق قنصلية سودانية قبل أيام، وسط مخاوف من اندلاع حرب إثيوبية - إريترية، بسبب النزاع في إقليم تيغراي بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بـ«دعم التمرد».

وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في وقت سابق، أن الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية ليو شيان فا سيزور إثيوبيا وجيبوتي ومصر خلال النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما سيزور المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الصينية لشؤون القرن الأفريقي تشانغ تشون، إريتريا.

وبالفعل عقد ليو شيان فا اجتماعاً مع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، وعبّر عن أمل بكين «في أن يهدأ الوضع في القرن الأفريقي في أقرب وقت ممكن»، مبدياً استعداد الصين «للعمل مع جميع الأطراف للاضطلاع بدور بنّاء في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية الصينية»، الخميس.

ومساء الخميس، التقى رئيس إريتريا أسياس أفورقي، المبعوث الخاص الصيني لشؤون القرن الأفريقي، وركَّزت المحادثات الواسعة على العلاقات الثنائية والتطورات الجارية في المنطقة، فيما كرر المبعوث الصيني، موقف بكين «من أهمية احترام سيادة إريتريا وسلامة أراضيها»، حسب ما ذكره وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل عبر حسابه بمنصة «إكس».

ويرى الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان، أن هذا التحرك «يعكس حرص الصين على القيام بدور بنّاء في تهدئة التوترات ومنع مزيد من التصعيد في منطقة القرن الأفريقي، في ظل تمتعها بعلاقات صداقة وتعاون مع كل من إثيوبيا وإريتريا، وهي تؤكد باستمرار احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتدعو إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتشاور، بعيداً عن استخدام القوة أو التهديد بها».

ويعتقد أن «نجاح الجهود الدبلوماسية لا يتوقف على التحرك الصيني وحده الذي سيساعد في منع التصعيد، بل يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية واستعدادها للعودة إلى الحوار»، ويؤكد أن «مصر وجيبوتي دولتان مهمتان في هذه المعادلة، بحكم موقعهما الجغرافي ودورهما الإقليمي، ولذلك فإن التشاور معهما يُساعد على فهم مختلف الشواغل، وتعزيز الجهود الرامية إلى خفض التوترات».

ويرى المحلل السوداني المختص بالشأن الأفريقي محمد شمس الدين، أن «بكين تستشعر الخطر الاستراتيجي الذي قد ينجم عن أطماع إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر». ويلفت إلى أن «الصين تسعى إلى سد الفراغ الدبلوماسي الغربي الذي غاب بصورة لافتة عن قضايا منطقة القرن الأفريقي؛ حيث تراجع الدور الأميركي في أسمرة وفي أديس أبابا»، مشيراً إلى أن «بكين تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها ضامناً أمنياً موثوقاً يحترم سيادة الدول، ولا يتدخل في شؤونها الداخلية».

ويتابع: «يتضح ذلك في حرصها على إيفاد مبعوثين للقاء القيادتين، في وقت متزامن لتأكيد وقوفها على مسافة واحدة من الطرفين ولعب دور ناقل الرسائل الموثوق سعياً منها لتخفيف حدة الاستقطاب».

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

والتقى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الجمعة، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف على هامش «القمة الثانية للأحزاب السياسية الأفريقية» التي تستضيفها أديس أبابا حالياً، وناقشا الحوكمة القارية والعمليات السياسية الشاملة وأولويات التنمية طويلة المدى وتعزيز قيادة أفريقيا والقضايا الرئيسية التي تُشكل مستقبل القارة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية»، دون تفاصيل أكثر.

وأثارت إثيوبيا مخاوف أفريقية عقب إعلان تسلّم صفقة تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، وقال رئيس وزراء إثيوبيا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تُعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

ويرى تشو شيوان، أن «الموقف الصيني يقوم على مبدأ أن الحلول يجب أن تنطلق من دول المنطقة نفسها، مع دعم دور الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية»، متوقعاً أن «تكون الأولوية في المرحلة الحالية هي تهيئة الظروف للحوار، ووقف التصعيد، تمهيداً للتوصل إلى حل أشمل للأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

ووفق شمس الدين، فإن «بكين تتمتع بأوراق ضغط ومزايا تجعلها قادرة على إحداث اختراق لإنجاح هذه الوساطة المحفوفة بعدد من التحديات الإقليمية، وأبرز تلك الأوراق النفوذ والثقل الاقتصادي الواسع، كون طاولة الحوار الصينية أكثر قبولاً من المنابر الغربية»، على حد قوله.

ويرجح أن تنجح بكين في «تجميد الصراع» ومنع انزلاقه لمواجهة عسكرية مباشرة عبر إرساء قواعد اشتباك جديدة، لكنها «ستجد صعوبة بالغة في تحقيق تسوية نهائية تلبي الطموحات الجيوسياسية لإثيوبيا وإريتريا».


مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)
جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)
TT

مُعلمو ليبيا يضيّقون الخناق على «الوحدة» برفض استئناف الدراسة

جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)
جانب من إضراب المعلمين فى تاجوراء (أرشيفية - حراك المعلمين)

ضيق مُعلمو ليبيا الخناق على حكومة الوحدة «المؤقتة» بالتلويح بـ«إضراب شامل» في جميع المدارس بعدما أعلن رئيس «حراك المعلمين»، أشرف الهادي، التراجع عن وعد سابق باستئناف الدراسة الأحد المقبل، وذلك إثر تصريحات لوزير المالية بحكومة الوحدة، راشد أبو غفة، أكد فيها «استحالة الوفاء حالياً بالفروقات المالية للمعلمين المقدرة بنحو 24 مليار دينار».

وفي مقابل تمسك «الحراك» والنقابة العامة للمعلمين بمواصلة الإضراب حتى تنفيذ المطالب، أعلنت مراقبات التربية والتعليم في عدد من البلديات، بينها صرمان ومرادة والزاوية المركز والعجيلات ورقدالين والزنتان وصبراتة، استئناف الدراسة ابتداءً من الأحد المقبل. ودعت المعلمين، مساء الخميس، إلى «العودة إلى مدارسهم، والطلاب إلى الالتحاق بمقاعد الدراسة»، مؤكدة «دعم حقوق المعلمين ومواصلة المطالبة بمستحقاتهم، مع التشديد على عدم جعل هذه المطالب على حساب استمرار العملية التعليمية».

وقفة احتجاجية للمعلمات في حي سوق الجمعة بطرابلس في سبتمبر الماضي (نقابة المعلمين في ليبيا)

وجاءت هذه الدعوات بالتزامن مع تفاهمات أُعلنت في تاجوراء، تضمنت العمل على «صرف الفروقات المالية المستحقة للمعلمين، ضمن ملحق راتب شهر أكتوبر»، ومنح الجهات المعنية مهلة ثلاثة أشهر لمعالجة ملف الجدول الموحد للرواتب. فيما أعلنت وزارة المالية إحالة 719 مليون دينار إلى وزارة التربية والتعليم، قيمة علاوة الحصة، على أن تتولى الوزارة توزيعها على مستحقيها.

لكن هذه التطورات لم تنجح في احتواء الأزمة، إذ أكدت نقابة «معلمي سوق الجمعة» في تصعيد موازٍ، الجمعة، «استمرار الاعتصام حتى صرف المستحقات وإيداعها في الحسابات المصرفية»، مشددة على أن «قرار تعليق الاعتصام أو استئنافه ينبغي أن يعبر عن موقف جماعي لا عن قرار فردي»، رافضة العودة إلى المدارس «قبل تنفيذ المطالب بصورة ملموسة».

وكان الهادي قد أعلن في وقت سابق التوصل إلى تفاهمات تسمح باستئناف الدراسة في تاجوراء، اعتباراً من الأحد، عقب التواصل مع رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، وبحضور بعض أعضاء المجلس، وموظفي التربية والتعليم وممثلين عن المعلمين.

وتضمنت التفاهمات، حسب ما أعلنه «الحراك»، العمل على صرف الفروقات المالية المستحقة للمعلمين، ضمن ملحق راتب شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ الالتزامات، مع التلويح بخطوات تصعيدية، من بينها «الإضراب الشامل» في حال عدم الوفاء بها.

غير أن راشد أبو غفة أعلن مساء الخميس أن «الفروقات المالية التي تصل إلى نحو 24 مليار دينار، يتعذر الوفاء بها في الوقت الراهن».

وأظهرت تصريحاته، حسب تقدير الهادي، مساء الخميس، «عدم وجود التزام بتنفيذ الوعود التي حصل عليها المعلمون»، ما دفع الحراك إلى التراجع عن إعلان استئناف الدراسة، والعودة إلى خيار «الإضراب الشامل».

وأوضح أبو غفة أن «الوزارة ستحيل الأحد المقبل 719 مليون دينار إلى وزارة التربية والتعليم، تمثل قيمة علاوة الحصة للعام الدراسي 2026-2027 بالتزامن مع إحالة راتب شهر أكتوبر، على أن تتولى وزارة التعليم توزيع المبلغ على المستحقين، وفقاً للمعايير المعتمدة».

وفصل أبو غفة بين هذا المبلغ وملف الفروقات المالية، موضحاً أن قيمتها الإجمالية تصل إلى نحو 24 مليار دينار، وهو ما وصفه بـ«التزام مالي ضخم يتعذر الوفاء به حالياً في ظل الإمكانات الاقتصادية والمالية للدولة»، مشيراً إلى أن وزارة المالية أعدت مشروع قانون بشأن جدول موحد للرواتب، وأحالته إلى مجلس النواب لاستكمال الإجراءات التشريعية، معتبراً أن ذلك «يمثل خطوة لمعالجة الاختلالات وتحقيق العدالة في الأجور بين العاملين في القطاعات الحكومية».

عبد الحميد الدبيبة خلال زيارة سابقة لإحدى مدارس التعليم الابتدائي بالعاصمة (الوحدة)

كما دعا المعلمين إلى «إنهاء الإضراب والعودة إلى المدارس»، محذراً من أن «استمرار تعطيل الدراسة يضر بالطلاب، الذين فقدوا جزءاً كبيراً من وقتهم الدراسي»، وأكد أن «العودة إلى المدارس لا تعني التخلي عن المطالب، أو إعفاء الجهات المسؤولة من معالجتها».

في المقابل، أكدت النقابة العامة للمعلمين، مساء الخميس، استمرار الإضراب والاعتصام إلى حين الاستجابة للمطالب، كما رفضت استئناف الدراسة قبل تنفيذ الحقوق المالية والمهنية بصورة ملموسة. وقالت إن «المعلمين لا يرفضون العودة إلى المدارس، أو استئناف رسالتهم التعليمية، لكنهم يرفضون العودة إلى العمل دون تسوية حقوقهم»، محملة الجهات التشريعية والتنفيذية مسؤولية استمرار الأزمة.

وبدأت احتجاجات المعلمين في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي بالتزامن مع الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي، عبر اعتصامات ووقفات أمام المدارس والمباني الحكومية في طرابلس ومناطق أخرى، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المالية والوظيفية، وصرف الفروقات المتراكمة، ومعالجة الاختلالات في الرواتب.

وتطورت التحركات بعد نحو أسبوعين إلى إضراب مفتوح في المدارس الحكومية، بسبب عدم التوصل إلى حلول تلبي مطالب المعلمين، واتسع نطاق التعطيل ليشمل عدداً من المدن والبلديات.

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في وقت سابق عن تفاهمات مع النقابة العامة للمعلمين، تضمنت «معالجة مطالب المعلمين»، لكن الخلاف بشأن آليات التنفيذ ومواعيده، وعدم وضوح الضمانات المتعلقة بصرف المستحقات، أبقى الاعتصام والإضراب قائمين.

وحسب مراقبين، «تضع أزمة المعلمين حكومة الوحدة الليبية أمام معادلة صعبة، بين مطالب بتسوية حقوق مالية يقول المعلمون إنها متراكمة منذ سنوات، والقيود المالية التي تتحدث عنها وزارة المالية، فيما يظل الطلاب الطرف الأكثر تأثراً باستمرار تعطيل الدراسة، وعدم استقرار المواقف بشأن موعد استئنافها».


لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟

وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)
TT

لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟

وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)

أثار تكرار الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز في مصر تساؤلات بشأن عدم انعكاس ذلك على تراجع فجوة الاستهلاك وزيادة الإنتاج المحلي، في وقت تشكو فيه الحكومة من ارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج، بالتزامن مع إقدامها على تسوية مديونيات الشركات العاملة في مصر لتنشيط جهود التنقيب عن الغاز الطبيعي وغيره من المنتجات البترولية.

وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية، الجمعة، عن تحقيق نتائج إيجابية من حفر البئر الاستكشافية «نسيم-1X» للغاز الطبيعي بمنطقة «امتياز طيبة» في البحر المتوسط، مشيرةً إلى أن أعمال الحفر والتقييم المبدئي كشفت عن «وجود طبقة حاملة للغاز الطبيعي ذات خصائص بتروفيزيقية متميزة، مع تقديرات أولية تُشير إلى وجود نحو 200 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في المكمن».

وأظهرت نتائج التقييم المبدئي «وجود خصائص بتروفيزيقية متميزة في الصخور الحاملة للغاز، بسمك صافٍ للطبقة المنتجة يبلغ نحو 15 متراً بالعمق الرأسي الحقيقي»، وفق بيان لوزارة البترول المصرية.

وتقع البئر الجديدة بمنطقة «امتياز طيبة»، التي تستثمر فيها شركة «إيني» الإيطالية بصفتها المشغّل الرئيسي، بالشراكة مع شركة «وودسايد» الأسترالية، فيما نفّذت شركة «بتروبل»، القائمة بالعمليات، أعمال حفر البئر نيابة عن الشركاء.

وتعددت اكتشافات آبار الغاز الطبيعي خلال الأشهر الأخيرة، وكان أبرزها في أبريل (نيسان) الماضي، مع الإعلان عن اكتشاف حقل «دينيس غرب 1»، الذي حققته شركة «إيني» الإيطالية بمنطقة «امتياز تمساح» في البحر المتوسط، قبالة سواحل بورسعيد، وتُقدّر احتياطياته بنحو تريليوني قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، و130 مليون برميل من المكثفات.

لكن في الوقت ذاته، سجل إنتاج مصر من الغاز تراجعاً جديداً خلال مايو (أيار) الماضي، وسط ارتفاع الواردات والاستهلاك، حسب «قاعدة بيانات الطاقة المشتركة (جودي)».

وبلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي 3.3 مليار متر مكعب خلال مايو الماضي، ليتراجع متوسط الإنتاج اليومي خلال الشهر إلى 3.74 مليار قدم مكعبة، بانخفاض نحو 1.2 في المائة عن أبريل، و7.5 في المائة على أساس سنوي.

وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، تراجع إنتاج الغاز في مصر بنسبة 8 في المائة على أساس سنوي، في حين ارتفع الاستهلاك بنسبة 7.3 في المائة. كما زادت واردات مصر من الغاز بنسبة 7 في المائة خلال مايو الماضي مقارنة بأبريل، لتسجل 2.33 مليار متر مكعب، وفق تقرير «قاعدة بيانات الطاقة»، الصادر في يوليو (تموز) الماضي.

الحكومة المصرية تستهدف زيادة إنتاج الغاز الطبيعي في منطقة البحر المتوسط لتلبية احتياجات السوق المحلية (هيئة قناة السويس)

وفي إطار الإسراع بالاستفادة من نتائج الكشف الجديد، قالت وزارة البترول المصرية، في بيانها، إنه يجري «التخطيط لربط البئر بتسهيلات الإنتاج القائمة، من خلال تنفيذ خط لنقل الغاز بطول نحو 22 كيلومتراً، بما يُتيح الاستفادة من البنية التحتية المتاحة، ويختصر الوقت اللازم لوضع الكشف على خريطة الإنتاج، ويُسهم في دعم إنتاج مصر المحلي من الغاز الطبيعي».

وأكدت وزارة البترول أن هذا الكشف يأتي في ضوء «تنامي أنشطة البحث والاستكشاف بمناطق الامتياز»، مدعوماً بتحسن «مناخ الاستثمار في قطاع البترول والغاز»، وما تحقق من «تسوية مستحقات شركاء الاستثمار، بما يُعزز ثقة الشركات العالمية، ويشجع على ضخ مزيد من الاستثمارات وتكثيف أعمال البحث عن موارد جديدة من البترول والغاز».

ويرى أستاذ هندسة الطاقة والبترول بالجامعة الأميركية في القاهرة، الدكتور جمال القليوبي، أن عدم انعكاس اكتشافات الغاز الجديدة في مصر على معدلات الإنتاج، واستمرار فجوة الاستهلاك، يرجعان إلى أن هذه الاكتشافات تحتاج إلى وقت طويل قبل بدء تشغيلها.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أي بئر بحرية تحتاج إلى نحو عام ونصف العام قبل دخولها مرحلة الإنتاج، إذ تتطلب عدداً من الأعمال الفنية، منها إنشاء الرصيف البحري وربطه بالبئر في قاع البحر، وإنشاء خط الضخ، إلى جانب عدد من التفاصيل الفنية والأعمال الإنشائية». وحسب القليوبي، فإن «دخول الآبار الموجودة في الصحراء حيّز الإنتاج يستغرق ما بين 3 و5 أشهر».

مصر تتوسع في شحنات الغاز المسال لتلبية الاحتياجات المحلية (هيئة قناة السويس)

وفي خطوة تهدف إلى تعزيز أنشطة البحث والاستكشاف وفتح آفاق جديدة للاستثمار في قطاع البترول والغاز، وقّعت وزارة البترول المصرية، الخميس، اتفاقية مع شركة «أرديسيز» لتنفيذ برنامج موسع للمسح السيزمي ثنائي الأبعاد في عدد من مناطق الامتياز بالصحراء الغربية، يُغطي مساحة تصل إلى 110 آلاف كيلومتر مربع، بما يُعادل نحو 11 في المائة من إجمالي مساحة جمهورية مصر العربية، حسب بيان الوزارة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت الحكومة إنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز بشكل كامل، بعدما بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024. وقال وزير البترول، كريم بدوي، حينها، إن هذه الخطوة «تُمهد الطريق أمام مرحلة أكثر نشاطاً في أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الحقول، والإسراع في تنفيذ المشروعات الإنتاجية».

ويعتقد الخبير الاقتصادي، الدكتور وائل النحاس، أن استمرار فجوة الاستهلاك يرجع إلى تباطؤ اكتشافات الغاز في مصر.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تباطؤ اكتشافات الغاز يرجع إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، إذ يتطلب دخول البئر مرحلة الإنتاج استثمارات كبيرة، ما كان يؤدي إلى تأجيل العمل على الاكتشافات الجديدة».

وأضاف أن «السعر العالمي للغاز يؤثر أيضاً في وتيرة الاكتشافات المحلية، إذ تكون تكلفة استيراد الغاز في بعض الفترات أقل من تكلفة إنتاجه محلياً».