العبوديّة الحديثة

العبوديّة الحديثة

الأحد - 23 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 02 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14614]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
هناك من سيرفض توليفة هذا العنوان ويقول إن العنوان الأجدر هو: العبودية الجديدة، وليست الحديثة. ولكن مع ذلك لنا ما يبرر إصرارنا على التوليفة المتنافرة ظاهرياً والجامعة بين نقيضين قيمياً هما العبودية والحداثة، وذلك باعتبار أن الحداثة هي انتصار للحرية ودفاع عن عقل الإنسان وحريته النقدية. بمعنى آخر، فإن الحداثة تطل في معانيها المتشابكة المتجاورة المتعانقة على مفهوم الفردانية الذي يفيد استرجاع الفرد لأهميته وانتصاره على الهيمنة الرمزية لسلطة المؤسسات التي لطالما خضع لحتميتها.
كل هذا مفهوم.
غير أن ما يبرر التوليفة المستهجنة التي التجأنا إليها وجوباً هو أن مستحدثات الحداثة أدت إلى ابتكار أشكال جديد للاسترقاق، وقد انتبه إلى ذلك بعض أعلام المدرسة النقدية عندما تناولوا مفهوم تشييء الإنسان وكيفية تحول المنتجات الثقافية الرمزية وأيضاً الإنسان، خصوصاً الأطفال والنساء، إلى سلعة.
إذن ليست العبودية حدثاً تاريخياً وانتهى الأمر. ففي سياق استمراريتها وقدرة ظاهرة الاسترقاق على التجدد وإعادة الإنتاج وفق أشكال أخرى، يندرج إحياء العالم لليوم الدولي لإلغاء الرق الذي يصادف اليوم من كل عام.
أولاً، لنعلم أن أشكال الرق القديمة كما يعرفها الجميع ما زالت موجودة بنفس الشكل التقليدي رغم ما حصل في العالم من ثورات، وما تراكمت من اتفاقيات حول حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة. أما الأشكال الجديدة في العهد الحديث فهي لا تحصى ولا تعد، لذلك يصح الحديث عن ضحايا الرق في زمن الحداثة وما بعد الحداثة.
تُعرف العبودية على أنها حالة استغلال تُفرض على الشخص ولا يمكن له أن يرفضها أو يغادرها بسبب التهديدات والضغوط والعنف والإكراه. فضحايا الرق هم ضحايا سوء استخدام السلطة في أبعادها المختلفة المتعددة سواء الرمزية أو المادية. وإذا حاولنا حصر مظاهر الرق الحديث يمكن الاستناد إلى تحديدات الأمم المتحدة، التي ضبطته في الاتجار بالأشخاص، والاستغلال الجنسي، وعمل الأطفال، والزواج القسري، والعمل القسري.
ولنا في التاريخ أمثلة قوية عن ثورة المهدَّدين بالعبودية، بل إن هذا التهديد يمكن اعتباره الحافز التاريخي القوي لظهور الديمقراطية في تاريخ البشرية. ذلك أن ثورة العامة في أثينا في العصر الكلاسيكي ضد النبلاء، وكيف أنهم كانوا يمثلون أغلبية فقيرة لا يكفيها ما تتحصل عليه مقابل خدمة أراضي النبلاء لسد حاجياتها، فقد كانت تضطر إلى الاقتراض بفائض كبير من النبلاء، ومن يعجز عن تسديد ديونه يكون مهدداً بفقدان حريته وتحوله من فقير إلى عبد لدى طبقة النبلاء. فكانت ثورة الطبقة العامة التي طالبت بإصلاحات سياسية والمشاركة في الحكم، وهكذا نشأ النظام الديمقراطي الذي يعني -كما نعلم- السلطة للشعب، أي للطبقة العامة آنذاك.
آما اليوم فنحن نعيش أشكالاً مختلفة ومعقدة وخطيرة من الاستعباد: في الظاهر نحن أحرار، ولكن في الحقيقة نعيش في تبعية متعددة ومركبة. تبعية لوسائل الإعلام وتبعية للمهيمنين على الاقتصاديات المحلية والاقتصاديات العالمية. نعيش على وقع العولمة واستعبادها الخطير للمجتمعات. بمعنى آخر، يمكن القول إننا نعرف حالة من الانفصام الواقعي، فنحن من جهة فعلاً أحرار، ولكن من جهة ثانية لسنا كذلك. حتى إننا نعود إلى أصل السؤال: هل فعلا الإنسان كائن حر؟ فالحرية التي نفهمها لا يمكن أن تكون إلا إذا كان الإنسان مستقلاً وفي غنى عن الآخر، وهذا في الحقيقة ضد تركيبة الإنسان ذاتها. فهو كائن تتحكم فيه الغريزة ويحكمه المجتمع بنواميسه ومعاييره، وتضغط الثقافة على سلوكه وتفكيره ونظرته إلى كل شيء بدءاً من ذاته وصولاً إلى الآخر والعالم.
وإذا ما تم التركيز على علاقة الاسترقاق الحديث بالاقتصادي، فإنه لا يمكن التقليل من قوة هذه العلاقة باعتبار أن النظام الرأسمالي والخوصصة بقدر ما حققت أحلام بعض البشر، فإنها حوّلت الأغلبية إلى تابعين أكثر منهم قوة عمل وأفكار. ولولا رواج ثقافة المواطنة ونضالات المجتمع المدني في أنحاء العالم كافة لبلغْنا في العصر الحديث أقسى أنواع العبودية، حيث لا اختيار، والاضطرار هو محرك الممارسات والسلوك.
بالنسبة إلى المجتمعات العربية أفضل طريقة يمكن أن نحْيي بها اليوم الدولي لإلغاء الرق هي محاولة قياس حرية الإنسان العربي، وإلى أي حد هو فاعل في حياته واختياراته، وإلى أي مدى ما زالت المؤسسات ضاغطة عليه ومانعة لتحققه الذاتي الخلاق. وأيضاً كيف حال المرأة العربية، وهل تخلصت من الأغلال التي تحملها في داخلها وما زالت تعرقل خوضها تجربة الحياة بأكثر حرية وإنسانية.
تكمن الصعوبة في المجتمع العربي في كونه يعيش تمظهرات متعددة من التبعية ومن فرط تعددها، فإنه لا يعرف من أين يبدأ، خصوصاً أن الحياة اليوم معولمة بشكل لا ينتج إلا ذواتٍ انفصامية تئنّ من ألم الاستعباد التاريخي والحاضر المكتوم الصوت، ومن ضجيج الحريات والحقوق الذي نتعاطى معه كأدوات للزينة في الأغلب.
ربما الجديد في تجربة التفكير في مسألة الحرية ومحاولة تقليبها مراراً هو أن ثمنها فعلاً باهظ جداً: ثمنها قد يكون الوحدة، ذلك الشبح الذي يخافه الإنسان، أو الفقر المدقع المهدد بدوره للحرية المشتراة.
ومع ذلك لا بدَّ من الحلم بالحرية دائماً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة