نوفمبر (تشرين الثاني) هو شهر العروض التجارية حول العالم، وهو شهر تستنفر له القوى التجارية بكل طاقاتها، ولا عجب من ذلك كون الأرقام التي يأتي بها هذا الشهر تشكل نسبة لا يستهان بها من المبيعات السنوية.
اكتسب شهر نوفمبر هذه الأهمية لسببين، الأول جاء من الولايات الأميركية، حيث إن الاحتفال بعيد الشكر في الولايات المتحدة يكون في هذا الشهر (وهو يوافق الخميس الرابع في شهر نوفمبر)، والجمعة التالية لهذا اليوم تسمى بـ«الجمعة السوداء» (وستوافق الثالث والعشرين من نوفمبر 2018)، والذي يقدم فيه التجار تخفيضاتهم بعد العيد، هذا التقليد أصبح عادة سنوية منذ بداية الثمانينيات الميلادية وإن كان تاريخه يعود لما قبل ذلك، والمتابع لتاريخ «الجمعة السوداء»، يجدها مرتبطة بفوضى المتسوقين والتدافع في المحلات التجارية، وهو هوس ما زال موجوداً حتى يومنا هذا.
ومع ثورة المتاجر الإلكترونية وانعدام الحواجز الجغرافية، انتقل تقليد «الجمعة السوداء» إلى دول أخرى، كما انتقل إلى الدول العربية بتغير مسماه إلى «الجمعة البيضاء». وقد أضافت الثورة الرقمية يوماً آخر في التخفيضات التجارية، وهو ما يعرف باسم «الاثنين السيبراني» (Cyber Monday)، وهو أول اثنين بعد «الجمعة السوداء»، وسيوافق هذا العام يوم 26 نوفمبر 2018، وتكون فيه التخفيضات في المتاجر الإلكترونية فقط، أي أن التخفيضات بمجملها تستمر لأربعة أيام من الجمعة حتى الاثنين.
السبب الثاني لازدياد أهمية شهر نوفمبر التجارية جاء من الصين، حيث بدأ الصينيون تقليداً سموه «يوم العزاب» يكون في الحادي عشر من الشهر، وأصبح هذا اليوم عيدا في المبيعات الإلكترونية في الصين، وفيه يقيم موقع «علي بابا» احتفالاً سنوياً يصاحب التخفيضات المستمرة لمدة 24 ساعة، ويحتفل الموقع هذه السنة بمرور عشر سنوات على بداية هذا التقليد. وفيما يبدو هذا التقليد أقل من مثيله في الولايات المتحدة، إلا أن حجم مبيعات «يوم العزاب» يكاد يبلغ ضعف مبيعات الجمعة السوداء في أميركا. حيث بلغت مبيعات «يوم العزاب» في عام 2017 أكثر من 25 مليار دولار في 24 ساعة فقط! بزيادة أكثر من 25 في المائة على مبيعات عام 2016، وبمعدل أكثر من مليار دولار في الساعة، وهو رقم يزيد على حجم قطاع التجزئة السنوي في دول بأكملها. بينما زادت حجم مبيعات الأيام الأربعة في الولايات المتحدة على 14 مليار دولار، وهو رقم لا يستهان به أيضا، خاصة مع زيادته السنوية الثابتة بنسبة 5.2 في المائة خلال العقد الماضي.
ولا تقتصر أهمية هذين الحدثين على الحركة التجارية فقط، فالمواقع الإخبارية والمدونات تتنافس فيما بينها لتقديم النصائح للمستهلكين عن أفضل العروض التجارية المقدمة وكيفية الاستفادة القصوى من هذه العروض. والشركات التقنية تحصل على معلومات وافرة عن استخدام تطبيقات الهواتف الذكية في المشتريات الإلكترونية، وعن توجه المستخدمين في أنظمة تشغيل الهواتف.
وحتى الباحثين الأكاديميين يحصلون على كم كبير من البيانات عن سلوك المستهلك في التخفيضات الموسمية، لا سيما مع سهولة الحصول على هذه البيانات في الوقت الحالي مقارنة مع المحلات التجارية في السابق. جميع هذه الأسباب تجعل من شهر نوفمبر مهرجاناً للتسوق حول العالم، تصاحبه حركة لوجيستية ضخمة، فموقع «علي بابا» الذي يشحن يومياً ما متوسطه 57 مليون طرد، زادت شحناته في «يوم العزاب» في العام المنصرم على 770 مليون شحنة!
وبينما يحتفل موقع «علي بابا» يوم الأحد القادم بعشر سنوات من «يوم العزاب»، يتطلع متابعوه إلى حجم المبيعات هذه السنة التي زادت من 5 مليارات في عام 2013 إلى 25 ملياراً العام الماضي، وبهذا النمو المتصاعد قد تزيد مبيعات الموقع هذا العام على 35 مليار دولار. وقد تهيأ الموقع لهذه المبيعات منذ وقت مبكر، فبإمكان المتسوقين منذ الآن الدخول إلى الموقع ومقارنة سعر البضائع اليوم مقارنة بسعرها في يوم التخفيضات، بل وجمع سلة التسوق أيضاً، وانتظار ذلك اليوم لشرائها. وهي خطوة ذكية جدا من الموقع، فهو يستطيع بذلك توقع حجم مبيعات هذه السنة، والاستعداد لهذه الطلبات من الناحية اللوجيستية، كما أنه يعطي عملاءه وقتا كافيا للبحث في العروض المتوفرة، دون استعجال في الشراء.
وختاماً، فإن لحجم المبيعات في «يوم العزاب» في هذه السنة دلالات مختلفة، أولها تأثير غياب مؤسس الموقع «جاك ما» عن إدارته على مبيعات ذلك اليوم، على الرغم من احتمال وجوده في افتتاح الاحتفال. أما الثاني فهو تأثير الحرب التجارية الأميركية الصينية على سلوك المستهلك الصيني، وفي حجم المبيعات مؤشر واقعي على وجود هذا التأثير من عدمه.
8:23 دقيقه
TT
شهر التخفيضات
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
