ما أروع الخوف أحياناً

ما أروع الخوف أحياناً

الخميس - 22 صفر 1440 هـ - 01 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14583]
الكثير من الناس لديهم خوف متأصل من الارتفاعات، وقد تملكني يوماً الرعب وليس الخوف فقط، وذلك عندما تورطت في ارتقاء السلالم ووصلت إلى أعلى الكاتدرائية التي في مدينة فيينا بالنمسا، واسمها (شتيغاني دوم) - وهي تعتبر أعلى مبنى في المدينة - ووجدت نفسي معلقاً في الهواء على ممر ضيق ولا بد لي من اجتيازه، وعندما وصلت إلى منتصفه اجتاحني فجأة ما يشبه (النفاضة) وأحسست بالدوار، وكاد أن يغمى علي، فقدماي لا تساعدانني على التقدم ورجوعي مستحيل، وإذ إن هناك عشرات السياح يتقاطرون خلفي، والممر من الضيق إلى درجة أنه لا يتسع لاثنين متقابلين، مكثت على هذا الحال المزري عدّة دقائق إلى درجة أنني فكرت من ضمن الخيارات أن (أنبطح) على ذلك الممر وأزحف على بطني إلى أن أصل، وبينما كنت أتصبب عرقاً وخجلاً من الأصوات التي أسمعها خلفي وهي تحثني على التقدم، وإذا بثلاثة أشخاص يتقدمون نحوي وكل واحد منهم يسند الآخر، فتشبثت بأولهم وأخذت أتقدم وراءهم وهم يتراجعون بظهورهم للخلف إلى أن أوصلوني إلى بر الأمان وهو مكان مغلق، وما أن وصلت وأنا (أتشهد)، وإذا بعاصفة من التصفيق تجتاح المكان (تهكمّا)، وساءني أن أكثر المصفقين كانوا من النساء والأطفال.
والذي ذكرني بهذه الحادثة التي لا أستطيع أن أفخر بها، هو موقف حصل لي مع أحد المعارف، عندما أخذني معه في سيارته، ليريني عمارة له قيد التشطيب وارتفاعها 10 طوابق، وعندما توقفنا رفعت رأسي متعجباً وأنا أشاهد بعض العمال وهم يسيرون على عوارض حديدية دون أن يرف لهم رمش.
وذكرت ذلك لرئيس العمال فقال إنه أبسط من البسيط إذا تعودت عليه مع الحذر الشديد، وهل تعلم أن مبنى (امبايرستيت) في نيويورك لم يقتل من عمال الحديد خلال تشييده سوى عاملين اثنين؟!
وإنني أدعوك الآن لأن تجرب وتسير في خط مستقيم على هذه (البلاطات) التي على الأرض، وعرضها 30 سنتيمتراً وهو عرض قوائم الحديد، فاستسهلت العرض ووقفت وسرت عليها بكل رشاقة، بل وزيادة بالاستعراض أخذت (أتنطط) دون أن تخرج قدماي عن حدودها ولا حتى سنتيمتر واحد.
فقال لي: (عفارم) عليك... وتفاجأت به يمسك يدي بيده وهو يقول: هيا تعال معي نصعد للطابق العاشر، لتجرب السير (كالسعدان) على العارضة الحديديّة، وأنا سوف أقوم بتصويرك.
فنفضت يدي من يده سريعاً قائلاً له: هل أنت مجنون؟!
يا عمّي ألف مرّة جبان، ولا مرة واحدة الله يرحمه.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة